ابن مزاحم المنقري
190
وقعة صفين
بدري إلا قد بايعني وهو معي ، أو قد أقام ورضي ، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم . فتراسلوا ثلاثة أشهر ، ربيعا الآخر وجماديين ، فيفزعون الفزعة ( 1 ) فيما بين ذلك ، فيزحف بعضهم إلى بعض ، وتحجز القراء بينهم . ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين فزعة ، كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم ، ولا يكون بينهم قتال . قال : وخرج أبو أمامة الباهلي ، وأبو الدرداء ، فدخلا على معاوية وكانا معه ، فقالا : يا معاوية : علام تقاتل هذا الرجل ، فوالله لهو أقدم منك سلما ( 2 ) ، وأحق بهذا الأمر منك ، وأقرب من النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلام تقاتله ؟ فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه آوى قتلته ، فقولوا له فليقدنا من قتلته ، فأنا أول من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى علي فأخبروه بقول معاوية ، فقال : هم الذين ترون . فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسر بلين في الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، فقالوا : كلنا قتله ، فإن شاءوا فليروموا ذلك منا . فرجع أبو أمامة ، وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن يبايع القراء عليا على القتال أخذ في المكر ، وأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا عنه ( 3 ) ويكفوا حتى ينظروا . قال : وإن معاوية كتب في سهم : " من عبد الله الناصح ، فإني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم . فخذوا حذركم " . ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر علي عليه السلام ، فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة ، فقرأه ثم اقرأه صاحبه ، فلما قرأه وأقرأه الناس - أقرأه من أقبل وأدبر - قالوا : هذا أخر ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية . فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع
--> ( 1 ) في الأصل : " فيقرعون القرعة " وبني سائر العبارة على ذلك ، تحريف . ( 2 ) السلم : الإسلام . ( 3 ) في الأصل : " عليه " .