شمس الدين السخاوي
68
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
الفقراء وقبوله ابن أبي النصر ، فتغيرت خواطرهم عليه فمرض من حينه واشتكى حتى طلب منهم المحاللة والرضى فنفذ فيه السهم وانقضى الأمر ، فقضى . وأخبرني الجمال المطري وكان ملازماً خدمتهم لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم أن صاحب الترجمة لما دخل مكة قصد زيادة النجم الأصبهاني ، فلما جلس إليه أراد أن يسأله عن اسمه ، فبدره وقال : اسمي مكتوب بين عينيك ، ففهم مقاله ، وأنه كاشفه وأنه اسمه كاسمه عبد الله ، واتفق أنني لما عزمت على التوجه لمكة من طريق الماشي في حال الشبوبية سنة عشر وسبعمائة ظناً ، جاء أبي إليه وأعلمه بذلك ، فأمره أن يرسلني إليه فجئته ، فقال لي : بلغني أنك تريد مكة ؟ فقلت : نعم لأجل العمرة في رمضان ، فقال لي : من رفقتك ؟ فذكرت له جماعة من الفراشين وغيرهم ، فقال لي : ليس في هؤلاء من هو من جنسك ولا من تليق بك مرافقتهم ولكن اصبر قليلاً حتى ننظر لك رفقاء ، فقلت له : قد ضاق الوقت ومضى أكثر رمضان ، فقال لي : اسمع ما أقول لك فذهبت عنه ووثقت وعده . فما كان إلا قليلاً ، وورد الشيخ محمد بن عمران الخضري وجماعة من الصالحين للزيارة فدعاني الشيخ وقال : سافر مع هذا ، فسافرت معهم . فرأيت منه ومن أصحابه من الخدمة والمؤانسة ما لو كان والدي معي لم يبلغه ولم أحمل معهم سوى عصاي ، فدخلت مكة ليلة ثامن عشري رمضان وخرجت يوم العيد متوجهاً إلى المدينة مع الشيخ الصالح محمود اللاري ، ذي الأخلاق الحميدة والمعاشرة الجميلة والديانة التامة والمبادرة لانتظار الصلاة من أول الوقت ، فصحبته بإشارة الشيخين أبوي عبد الله النحوي والشريف الفاسي ، فكان نعم الصاحب ، ووصلت المدينة في ستة أيام . وكان ذلك كله ببركة رأي صاحب الترجمة وخاطر والدي ، وكان صاحب الترجمة قد ابتلي في آخر عمره بالبواسير وانقطع في بيته لذلك ولزم حجرته وقاسى منه مقاساة شديدة بحيث كان يقول : لو جاز لي سؤال الموت لسألته ، من شدة ما قاسى ، وله من المناقب والأحوال العلية ما لا أحصيه ، وهو صاحب القصيدة الجليلة السائرة المباركة التي أولها : دار الحبيب أحق أن تهواها * وتحن من طرب إلى ذكراها ورأى بعض الصالحين ، وأشك أهو صاحبها ، أو غيره ؟ النبي صلّى الله عليه وسلّم في المنام فأنشده إياها ، فلما بلغ آخرها ، وهو قوله : والحمد لله الكريم ، وهذه * كملت وظني : أنه يرضاها قال له صلّى الله عليه وسلّم : " رضيناها ، رضيناها " ، وممن أخذ عنه عبد الواحد الجوزلي الآتي ، وذكره المجد فقال : الشيخ أبو محمد ذو المقامات الفاخرة والكرامات الظاهرة والولاية العلية والعناية الجلية والزند الوري بالأنوار والقلب الروي بالأسرار . كان أعبد مشايخ أهل عصره وأزهدهم وأقدرهم على الرياضة وأجهدهم وأعلاهم في الطريق عناناً