شمس الدين السخاوي

533

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

ومما أخذه عنه تصنيفه القول البديع قراءة ومناولة ، وألفية العراقي وجملة من الكتب الست ، والموطأ مع المسلسل بالأولية وبالمحمدين وحديث زهير العشاري ، وبعض ذلك بلفظه ، وامتدحه بقصيدة أنشده إياها لفظاً وكتبها مع غيرها من نظمه وغيره بخطه ، وأذن له في الإفادة وكتب له إجازة حسنة ، ومن شيوخه أيضاً في الفقه : موسى الحاجبي ، ويحيى الهواري ، وفي الفنون : السيد السمهودي . . . وأظنه أخذ عن الجوجري ، ثم رأيت معه بخط الشيخ الجوجري إجازة لصاحب الترجمة ، وذكر فيها : أنه قرأ عليه قطعة من ألفية ابن مالك سنة أربع وسبعين ، وبعدها في سنة ثمان وسبعين من أول التوضيح لابن هشام إلى اشتغال العامل عن المعمل ، وأذن له أن يدرس فيها ، ويفيد من شأنه الاستفادة . . . انتهى ، ولم يزل يجتهد حتى ولي قضاء مكة المشرفة بعناية الخواجا ابن قاوان سنة تسع وسبعين وقطنها سن اثنتين وثمانين ، وتزوج ابنة الجمالي بن نجم الدين بن ظهيرة ، ورسخت قدمه بها ، وأقرأ الطلبة في الفقه وغيره ، وأفتى وتصدر بالمسجد الحرام مع استحضار لمذهب ، وتميز في فن الأدب وحسن مذاكرة وظرف ، ولطف عشرة وعقل وتودد وأوصاف لائقة ، وقد ترفع حاله بالنسبة لما كان وابتنى داراً هائلة ، ورافع فيه بعض من كان في خدمته وتكلم بكلام كثير ، وكاد أن يتزحزح ، فخذله الله ، وكذا كانت بينه وبين الحنبلي بعض مراجعات من الجانبين ، ثم لما ماتت زوجته المشار إليها وتزوج بعد بابنة الشريف أصيل ، فلما مات ، وكانت زوجته أخت قاضي الحنفية بمكة كانت بينهما مراجعات بسبب ميراثه ، استحسنت كلامه فيها ، ومع ذلك فلم يظفر بطائل ، ثم كانت بينه وبين عبد الله بن الشيبي مفاوضة بسبب وقف الخلجي في سنة إحدى وتسعمائة . . . لم أحمد صنيعه فيها مع عقله ، والله يؤيده ويحمله ، ومن نظمه : إن كنت ترجو من الرحمن رحمته * فارحم ضعاف الورى يا صاح محترماً واقصد بذلك وجه الله خالقنا * سبحانه من إله قد برى النسما واطلب جزاء ذاك من مولاك رحمته * فإنه يرحم الرحمن من رحما أقول : وله نظم ونثر وعدة مؤلفات ، كتبتها من إملائه لأنه بعد المؤلف انفرد بمكة المشرفة وصار من أكابرها ومرجع أهلها ، وتقدم عند سلطانها ، وقدم القاهرة بسببه مدة بعد أخرى فأكرمه ملكها وأنعم عليه بخلعة سنية وإنعامات مرضية ، وفوض إليه الحكم حيث حل فحكم بجدة والطائف ، ونال جملة من اللطائف ، ثم قدر الله تعالى أنه دخل القاهرة صحبة الشريف أبي نمي ابن صاحب مكة السيد بركات الحسني سنة ثماني عشرة وتسعمائة فواجه ملكها وعاد مع الحاج ، فتحرك عليه ريح القولنج وهو نازل من عقبة أيلة ، فأسكت من وقته ، ومات بها في يوم الجمعة سلخ ذي القعدة فجهز ودفن