شمس الدين السخاوي
518
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
مالك ، إلا أن مالكاً أسد تنقية للرجال منه ، ولما بلغه أن مالكاً لم يأخذ البيعان بالخيار ، قال : يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم قال أحمد : هو أروع بالحق منه . . . انتهى ، وقد هجره مالك لما نسب إليه من القد ، كلهم أئمة رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بهم وبعلومهم ، وقال الواقدي فيما رواه ابن سعد عنه : كان من أروع الناس وأفضلهم ورمي بالقدر ولم يكن قدرياً ، فإنه كان ينفي قولهم ويعيبه ، ولكن كان رجلاً كريماً يجلس إليه كل أحد ويغشاه فلا يطرده ولا يقول له شيئاً وإن مرض عاده ، فكانوا لهذا وشبهه يتهمونه بذلك ، وقال لمصعب : معاذ الله أن يكون قدرياً إنما كان في زمن المهدي قد أخذوا القدرية وضربوهم ونفوهم فجاء قوم منهم فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب فقيل هو قدري لذلك ، لقد حدثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قط ، قال الواقدي : وكان يصلي الليل أجمع ويجتهد في العبادة ، ولو قيل له إن القيامة تقوم غداً ، كان فيه مزيد من الاجتهاد ، وأخبرني أخوه : أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ثم سرد الصوم ، وكان شديد الحال يتعشى الخبز والزيت وله قميص وطيلسان يشتي فيه ويصيف ولا يغيره شيبة ، وكان من أشد الناس صارمة وقولاً بالحق ويحفظ حديثه ، لم يكن له كتاب ، ويروح إلى الجمعة باكراً فيصلي حتى يخرج الإمام ، ورأيته يأتي دار أجداده عند الصفا فيأخذ كراءها ، ولما خرج محمد بن عبد الرحمن بن حسن لزم بيته إلى أن قتل محمد ، وكان الحسن بن زيد الأمير يجري عليه كل شهر خمسمائة دينار ، وقد دخل مرة على عبد الصمد بن علي والي المدينة فكلمه في شيء فقال له : إني لا أراك مرائياً فأخذ عوداً وقال : من أدائي ؟ فوالله للناس عندي أهون من هذا ، ولما ولي جعفر بن سليمان المدينة بعث إليه بمائة دينار فاشترى منها شاباً كردياً بعشرة دنانير ، فلبسه غمرة وقدم به عليهم بغداد فلم يزال به حتى قبل منهم فأعطوه : يعني الدولة " ألف دينار ، فلما رد مات بالكوفة . . . انتهى ، ولما حج المهدي ودخل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد إلا قام ، إلا هو فقال له المسيب بن زهير : قم هذا أمير المؤمنين فقال : إنما تقوم الناس لرب العالمين فقال له المهدي : دعه فلقد قامت كل شعرة في رأسي ، وقال لابن جعفر المنصور : هلك الناس فلولا أغنيتهم من الفيء فقال ، ويلك لولا ما شددت من الثغور لكنت تؤتى في منزلك فتذبح فقال : قد سد الثغور وأعطى الناس من هو خير منك ، فنكس المنصور رأسه وقال : هذا خير أهل الحجاز ، بل قال له : ما تقول في أنك لجائر ، فأخذ الربيع بلحيته ، فكفه المنصور ووبخه وأمر له بثلاثمائة دينار ، ولذا قال أحمد : إنه لم يهله أن قال لأبي جعفر الحق حيث قال له : الظلم ببابك فاش ، قال أبو جعفر : دعا الرشيد فقهاء أهل المدينة وهو ومالك فيهم ، وسأله عن سيرته فكلهم قال : ما حضره من تحسين ما هو عليه ، وابن أبي ذئب ساكت فسأله عن ذلك ، فقال : إن رأي أمير المؤمنين أن يعفيني فعل فقال له : بل أسألك أن تصدقني فقال : أما إذا سألت