شمس الدين السخاوي
457
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
والأجزاء أشياء ، وطلب بنفسه وقرأ الكثير وكتب الطباق وضبط الأسماء . . . وكان يخرج في هذا النوع بالصلاح الأفقهي ، فقد وصفه بخطه ، بمفيدنا وتنبه وبرع في الفقه وأصوله والنحو والتصوف ، وأتقن جملة من ألفاظ الحديث وغريب الرواية ، وشرح المنهاج الفرعي شرحاً حسناً مختصراً في ثلاث مجلدات سماه المشرع الروي في شرح منهاج النووي ، أخذ عنه البرهاني بن ظهيرة وابن شعبان وغيرهما ، واختصر فتح الباري لشيخنا في نحو أربعة مجلدات ، وسماه تلخيص أبي الفتح لمقاصد الفتح : وهو شبه المنتقي ، وحدث باليمن ودرس بها ، وممن قرأ عليه بها التقي بن فهد وغيره من القدماء ، وبنى لأجله بعض ملوكه بها مدرسة وجعل له فيها معلوماً وافراً كان يحمل إليه بعد انتقاله عنها برهة ، وكذا حدث بالمدينة بعد سؤال أخيه أبي الفرح له في ذلك وتوقفه فيه تأدباً مع الجمال الكازروني لتقدمه في السن عليه ، فقرأ عليه أخوه المذكور الصحيحين والشفا بالروضة ، وكذا قرأ عليه آخرون : كأبي الفتح بن تقي ، ولم يلبث أن قتل أخوه الكمال أبو الفضل ، كما أسلفت في ترجمته ، فكان ذلك سبب انتقاله إلى مكة ، وذلك في سنة أربع وأربعين ، واستمر بها حتى مات ، بل كان ممن تردد عليها قبل ذلك مراراً ، أولها سنة ثمان مائة وجاور بها سنين ، وحدث بها بالكتب الستة وغيرها ، واشتهر ذكره فيها بحيث استقر في مشيخة الخانقاه الزمامية بها بعد موت شيخها أحمد الوسيط في سنة خمسين ، ثم استقر به الجمال ناظر الخاص في مشيخة مدرسته التي أنشأها . . . أول ما أتيت . . . في سنة سبع وخمسين ، وجعل وقت حضورها بعد صلاة الصبح لأجله والظاهر جقمق في أسماع البخاري ، مضافاً لمشيخة التصوف بالزمامية ، وأخذ عن الأكابر من أهلها والواردين من سائر الآفاق عليها ، وكنت ممن أخذ عنه الكثير وبالغ في الإكرام والاحترام حتى أنه اقتبس مني حسبما كتبه بخطه الإجازة لولده ، وكان يسلك في تحديثه التحري والتشدد ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم ويترضى عن الصحابة كلما ذكروا ، ويفتتح المجلس بالفاتحة وبسورة الإخلاص ثلاثاً ويهديها لمشايخه ، كل ذلك مع الثقة والأمانة والصدق والعبادة وكثرة التلاوة والزهد الورع والتواضع والهضم لنفسه وطرح التكلف في مسكنه ومطعمه وملبسه والتقنع باليسير والاقتصاد وحسن التأني . . . عن الناس والإقبال على ما يهمه وقلة الكلام فيما لا يغنيه ، وشدة التحري في الطهارة والغضب لله وعدم الخوف في الله من لومة لائم ، والهيبة والوقار وسلوك الأدب وتسكين الأطراف ونور الشبه وحسن الاعتقاد في المنسوبين للصلاح ، سالكاً طريق شيخه في تحسين الظن بابن عربي مع صحة عقيدته ، وربما عيب بذلك بحيث سمعت من شيخنا إنكاره عليه بسببه وعدم ارتضائه لاختصاره الفتح ، وكان الشيخ محمد الكيلاني المقري وغيره يناكفه وينكر إقامته برباط ربيع في سفح إجبار الصغير ، وهو صابر لشدة تحريه ، قل من كان يحسن القراءة عليه سيما وفي خلقه