شمس الدين السخاوي

429

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

وعنه وعن غيره أخذ النحو والحديث عن الجمال بن ظهيرة والزين العراقي والشهاب بن حجي وأذنوا له في التدريس والإعادة ، ولازم الجمال كثيراً وينصر به في الحديث ومتعلقاته ، وكذا أخذ عن رفيقه شيخنا وانتفع به كثيراً ، وولي قضاء مكة في شوال سنة سبع وثمانمائة من قبل الناصر فرج ، فكان أول مالكي ولي بمكة استقلالاً ، ورتب له على ذلك معلوماً ، وقرئ بتوفيقه بالمسجد الحرام في أوائل ذي الحجة منها بحضرة أمير الحاج كزل العجمي وغيره من أعيان الحجاج والمكيين ، ثم في سنة أربع عشرة درس المالكية بالمدرسة النيحالة بمكة ثم صرف عنها ، ثم عن القضاء غير مرة ، آخرها بالكمال أبي البركات محمد بن محمد بن الزين القسطلاني المكي في أواخر سنة ثمان وعشرين ، لما ذكر عنه من العمى ، فإنه كان في الأصل أعشى ، ثم ضعف نظره جداً ، فقدم القاهرة في أوائل التي تليها فأفتاه فضلاء مذهبه بمقتضى مذهبهم في كون العمى لا يقدح إذا طرأ على القاضي المتأهل ، بل أفتى آخرون منهم بأنه لا يمنع ابتداءاً فضلاً عن طروه ، واستتابه قاضيها الباسطي ، وحكم بالصالحية منها ، ثم أنهى أمره إلى السلطان ووصف بما يستحقه فأعيد ورجع إلى مكة ، فلم يلبث أن سعى عليه المذكور حتى عزل ثانياً في أوائل سنة ثلاثين ، فامتنع محبوه من السعي له ، بل استمر معزولاً حتى مات ، وكان رحمه الله قد اعتنى بأخبار مكة ، فأحيا معالمها ، وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وترجم أعيانها ، وكتب لها تاريخاً على نمط تاريخ الأزرقي مقتصراً شبه فيه على المقاصد المهمة مع ضم زوائد نفيسه مما عدد بعده ، وسماه تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام ، ورتبه على أربعة وعشرين باباً ، وأهدى منه نسخاً إلى ديار مصر والغرب واليمن والهند ، ثم إنه استطال الباب الأخير فقسمه أبواباً بلغت أربعين ، وزاد فيه أشياء كثيرة مفيدة ، تكون نحو مقداره أولاً ، بحيث لم يخل باب من أبوابه من زيادة مفيدة ، وأصلح في كثير منه مواضع كثيرة ، ظهر له أن غيرها أصوب منها ، وقدم وأخر ، فجاء كتاباً حافلاً في مجلد سماه شفاء الغرام بأخبار البلد ، ثم اختصره مرة بعد أخرى إلى ستة ، بل عمل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين مشتملاً على تراجم مع غيرها ، ثم اختصر مرة بعد أخرى ، إلى غيرهما من التآليف كالذيول على سير النبلاء ، والإشارة على تراجم مع غيرها ، ثم اختصره مرة أخرى إلى غيرهما من التآليف كالذيول على ، والأعلام بلا . . . للذهبي ، والتقييد لابن نقطة ، وكالمقنع من أخبار الملوك والخلفاء وولاة مكة الشرفاء في كبير وصغير ، وكالأخرويات مسودة وجزء من الأذكار والدعوات ومسك على مذهب الإمام الشافعي ومالك ، واختصر حياة الحيوان ، وخرج لجماعة من شيوخه ، بل عمل المتباينات الأربعين والفهرست ، حلاهما لنفسه ، وحصل الانتفاع بما حصله النجم بن فهد منها ، وضيق في اشتراطه في وفقها أن تعاد لمكي ، وقد حدث بالحرمين والقاهرة ودمشق وبلاد اليمن ، وكان إماماً ، علامة ، فقيهاً ، حافظاً ، مفوهاً ،