شمس الدين السخاوي

423

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

وفريد عصره ، لسان الأدب ، حجة العرب ، مجمع أسباب الفضائل ، صاحب القصيدة الغراء الطويلة المستهلة على علم البديع التي أولها بطيبة ، بطيبة أنزل ويمم سيد الأمم * وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم وقد قرأها علينا رفيقه وأخوه إلى الله ، الشيخ الإمام العالم العامل رحلة زمانه ونادرة إخوانه أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني الغرناطي ، بحضرته في الروضة النبوية سنة ست وستين وسبعمائة ، وكانا قد سألاني أن يسمعا علي صحيح البخاري فأجبتهما لذلك اعتناء لمجالستهما واقتباساً من فوائدهما ، فكان أبو جعفر هو القارئ ، وإذا فرغ من المجلس أنشد بيتاً من ديوان رفيقه ، وهو ديوان عظيم في مجلدين لتيسير الله تعالى النظم عليه ، بحيث ذكر عنه أنه قال : أقدر أنظم في اليوم الواحد بلا كلفة ثلاثمائة بيت ، بل كانت تقترح عليه وهو على السماط الأشياء فيملي فيها على الكاتب الأبيات المتعددة ، بل تكلف ، كل هذا مع البلاغة والفصاحة ودقة المعنى ، وغالب تصانيفه منظومة ، وكذا لرفيقه أبي جعفر نظم حسن بديع ، وقد سبق لهما مجاورة بالمدينة أيضاً سنة ست وخمسين ، وانتفع الطلبة بهما في هاتين المجاورتين ، وقرئ عليهما كتب متعددة في العربية والأصلين واللغة والعروض والبديع ، وغيرهما ، وسمع عليهما الحديث ، وفي المجاورة الأولى شرح صاحب الترجمة ، ألفية ابن مالك ، شرحه المفيد الذي عم به النفع ، واشتهر اشتهاراً عظيماً ، ولهما معاً تصانيف كثيرة وأوضاع مفيدة ، ولو رمنا ذكرها ووصف محاسنها لخرجنا عن المقصود ، وكذا قرئ عليّ بحضرتهما تآليفي العدة في إعراب العمدة ، قراءة بحث وتفهم ، وحصل بذلك خير كثير ، فإني وضعته على مثال لم أسبق إليه وجبرته على منوال لم ينسخ عليه ، فصوبا والحمد لله ما وضعت وشكرا إلي ما صنعت ، جزاهما الله خيراً ، وكان القارئ التاج عبد الواحد بن عمر بن عباد الماضي وأخوه هذين الشيخين واتحادهما واتفاقهما في الأخلاق والأقوال والأفعال ، لم أر مثلها ولم أسمع بذلك ، ولا يملك أحدهما دون أخيه شيئاً ولا يتخصص عنه بشيء من أمور الدنيا ، قل أو جل ، ولا يلبث أحدهما غير ملبس الآخر ، لكل واحد منهما مثل ما لصاحبه ، إن فصلا ثياباً لمن نوع واحد ولون واحد ، وكذا في العمائم والفوط والدلوف وثياب التجمل ، وثياب المهنة ، ولباس الشتاء والصيف ، وكذا الفرش والأوطية والأنطاع والوسائد والنعال وغيرهما ، وإذا لبسا لبساً لوناً واحداً بياضاً كان أو غيره لا يمكن أن يغير أحدهما لباساً دون الآخر ، ويأكلان جميعاً ويرقدان جميعاً في بيت واحد ، وأعرضا معاً عن التزوج والتسري ، رغبة في دوام الصحبة ، وخوفاً من أسباب الفرقة ، وكان معهما مملوك لهما يخدمهما ، وكان صاحب الترجمة ضريراً بسبب جدري عرض له في صغره ، بعد دخوله المكتب في أواخر السنة