شمس الدين السخاوي

296

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

والعربية عن والده وسمع عليه الحديث ، وببيت المقدس على القاضي شرف الدين الحبتي والعلائي ، وبدمشق على المزي والذهبي وداود بن العطار وابن الحبان والصدر أبي الربيع بن عبد الحكم الغماري المالكي والشمس محمد بن عرب شاه الهمداني والجمال بن الفويرة الحنفي ، ومن يطول تعداده ، وكذا أخذ بمصر عن جماعة وبتونس عن أبي علي عمر بن علي بن قداح الهوازي ، ولقي به القاضي أبا إسحاق بن عبد الرفيع ، وبفاس عن غير واحد ، بل أخذ عنه بالمغرب جماعة منهم أبو العباس . . . ، وكان محدثاً متقناً ، ضابطاً ، عارفاً ، يضبط الحديث ، وأسماء رجاله ولغته ، فاضلاً في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان ، مستبحراً في اللغة والآداب ، مشاركاً في الجدل والمنطق ، أقبل في آخر عمره على الاشتغال في كتب التصوف ، ولزم الاشتغال بالفقه والعربية في المسجد النبوي مع وجاهة عظيمة عند أمراء المدينة ، بحيث يقصد بالشفاعة عندهم فلا يردون غالباً ، وله تآليف مفيدة منها : نزهة النظر ونخبة الفكر في شرح لامية العجم ، وذيلها له اشتمل على لغة كثيرة وصناعة بديعة وشرح قصيدة عمرو الجني المشتملة على المديح النبوي ، والجواب الهادي عن أسئلة الشيخ أبي الهادي أحد شيوخ القيروان في الطريقة ، وهي في القرآن والسنة ، وتحفة الراغبين في اختصار منازل السائرين ، وشرح حديث أم زرع وقصيدة كعب بن زهير ، مع تخميسه لها ، وحواشي على شرح ابن الحاجب لابن عبد السلام ، تكلم فيها على ما لم يتكلم عليه الشارح من المتن مع تعقب على الشارح في أماكن كثيرة ، انتهى فيه إلى الحج ، وله في العربية تفانيد مختصرة وشعر كثير في غاية الجودة ، مات في يوم الجمعة ثالث عشرى جمادى الثاني سنة ست وأربعين سبعمائة ، وهو ممن في الدرر لشيخنا ، وقرأ الدلائل للبيهقي في رمضان سنة خمس وأربعين على السراج الدمنهوري بالروضة ، والصحيحين على الجمال محمد بن أحمد بن خلف المطري وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن ، وبقراءته سمعهما أبو عبد الله بن مرزوق ، وكذا سمع ابن مرزوق بقراءته أيضاً على العلم القسم البرزالي حين قدومه المدينة أجراً ، وصف في إجازة لولده ابن جابر الأندلسي فيما كتبه رفيقه أبو جعفر الرعبني عنه : بالشيخ العالم ، العلم ، الإمام ، الأديب ، البارع ، اللغوي ، مجموع الفضائل ، وذكره أخوه البدر فكناه أبا القسم وجعل سنة مولده سنة ثمان ، وقال : كان على كنيته واسمه من العلو والدين مع ما حوى من علمي الفقه والأصول والعربية واللغة والمعاني والبيان والآداب ، والمشاركة العظيمة في سائر العلوم حتى بلغ في العلوم الأدبية النهاية ، إذن قلت : لم يكن في زمانه بالمدينة والحجاز من برع براعته ولا ساد سيادته فشهادة حق علمها كل الخلق ممن جل ودق ، كان يلقي درس الفقه في مختصر ابن الحاجب ، فيحضره الشيخان الحاحائي وعبد السلام بن غلاب الماضي ذكرهما ، وهما من الفقه