شمس الدين السخاوي
214
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
إراقة دمائكم ، وإني أنتظر بكم ثلاثاً ، فمن راجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا الملحد الذي بمكة يعني ابن الزبير رضي الله عنه وإن أبيتم فقد أعذرنا إليكم ، فلما مضت الأيام الثلاثة قال : يا أهل المدينة ، ماذا تصنعون ؟ قالوا : نحارب ، فقال : لا تفعلوا ، وادخلوا في الطاعة ، فقالوا : لا نفعل ، والقصة طويلة ليس هذا محلها ، كما أن سيرة عبد الملك بن مروان تحتمل كراريس ، وذكر في التهذيب والخلفاء لابن حبان ، وكان قد رأى في منامه فيما قيل إنه يبول في الجوانب الأربعة من المسجد النبوي ، فقص رؤياه على سعيد بن المسيب وقيل : على محمد بن سيرين فأخبره : بأنه يلي أمر الأمة أربعة من أولاده ، فكان كذلك ، لأنه لما مات ولي الخلافة بعده : ابنه الوليد حتى مات ، ثم أخوه ، ثم سليمان بن عبد الملك حتى مات ، ثم يزيد بن عبد الملك ، بعد عمر بن عبد العزيز ، ثم هشام بن عبد الملك ، ولا يعلم أحد : إنه ولي أمر الأمة أربعة نفر أولاد رجل واحد : إلا هؤلاء ، أولاد عبد الملك بن مروان ، ثم أولاد الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر ، بل ولي الأمر من أولاد الناصر ثمانية ، وعبد الملك بن مروان : ممن سمع أبه مروان وعثمان وأبا هريرة وأبا سعيد القرشي وأم سلمة وبريرة مولاة عائشة وابن عمر ومعاوية رضي الله عنهم ، وروى عنه ، ابنه محمد وعروة بن الزبير وخالد بن معدان ، وإسماعيل بن عبيد الله ورجاء بن حيوة وربيعة بن يونس بن ميسرة والزهري وحريز بن عثمان وعمر بن سلام وطائفة ، وهو ممن عده أبو الزناد في فقهاء المدينة ، وقال نافع : رأيتها وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله منه ، ولما نزل مسلم بن عقبة المدينة قال لبعض من جلس معه : أمن هذا الجيش أنت ؟ فقال : نعم ثكلتك أمك ، أتدري إلى من تشير ؟ إلى أول مولود في الإسلام ومن حنكه الرسول صلّى الله عليه وسلّم وابن حواريه وابن ذات النطاقين ، أما والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً أو ليلاً وجدته قائماً ، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأبكهم الله جميعاً في النار ، قال المخاطب بذلك ، فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قلناه ، ويروى أنه أطبق المصحف من حجره وقال : هذا أخو العهد بك ، وهو أول من كتب على الدنانير القرآن ، وكان فاسد الفم ، وخلافته المجمع عليها من سنة ثلاث وسبعين ، وخطب فقال : اللهم إن ذنوبي عظام وإنها صغار في عفوك فاغفرها لي يا كريم . ومات في شوال سنة ست وثمانين عن إحدى وسبعين سنة بعد أن أوصى بنيه بتقوى الله ونهاهم عن الفرقة والاختلاف ، وقال : اللهم إني لم أخلف شيئاً أهم إليّ من بنتي فاطمة فاحفظها ، فتزوجها عمر بن عبد العزيز ، وأمها : أم المغيرة بنت خالد بن العاص المخزومية ولم يكن له ابنة سواها ، ومن أولاده : الوليد وسليمان