شمس الدين السخاوي

194

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

والبدر بن العليف والبدر العيني والزين رضوان وابن السنديوني ، ودخل القاهرة صحبة الحاج في أوائل سنة ثمان وخمسين ، فولي بها إمامة مقام الحنبلي بالمسجد الحرام عوضاً عن والده ، وباشرها في يوم السبت خامس جمادى الأولى منها ، ثم دخلها أيضاً في سنة اثنتين وستين ، وأقام بها إلى أن ولي قضاء الحنابلة بمكة في منتصف شوال من التي تليها بعناية الأميني الأقصرائي ، وكان يحضر دروسه بحيث أخذ عنه في الأصلين والعربية وغيرها ، ولازم صحبة أبي الفضل النويري الخطيب وغيره من الأعيان ، ودخل مكة صحبة أمير الحاج المصري وهو لابس الخلعة في صبح يوم الخميس تاسع عشرى ذي القعدة منها وقرئ توقيعه ، ثم أضيف إليه في سنة خمس وخمسين قضاء المدينة النبوية ، ومشى حاله وزال ما كان قلي به بعد مصاهرة البرهاني بن ظهيرة وزوجه بأخته ، بحيث قال النور الفاكهي له من أبيات : فلا تخش القلى منهم بوجه * فقد وافتك سيدة الجميع كل ذلك بعد أن أخذ في الفقه عن شيخ الماضية وقاضيه العز الكناني والعربية عن التقي الشمني والعلاء الحصيني وغيرهما ، وعن العلاء أخذ أصول الدين ، وقرأ عليه في شرح العقائد للتفتازاني وفي غيره ، والأصول والمعاني وغيرهما من التقي الحصني ، وكذا تلا لأبي عمرو ونافع وابن كثير : على الشمس محمد بن الشرف الششتري المدني ، وقرأ السبعة على الشيخ عمر الحموي النجار ، نزيل مكة ، وقرأ في النحو ابتداء باقي المنحة ، ولا أستبعد أخذه فيه عن القاضي عبد القادر ، وبعد دخوله في القضاء ، قدم عليهم بمكة العلاء المرداوي شيخ الحنابلة الدمشقيين فلازمه في قراءة غير تصنيف له . . . والتقى الجراعي أحد أعيان الحنابلة ، فانتفع به وبتفننه وذكائه إلى غيرهم من الفضلاء ، ولازم الأخذ لفنون من العقليات على مظفر الشيرازي ، ولا زال يدأب بعد إذن الأميني والتقي الحصني وغيرهما له حتى تميز بوفور ذكائه ، ودرس بالبنجالية وغيرها ، كدرس خير بك ، ثم بالمدرسة الأشرفية ، وأخذ عنه الفضلاء في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان والقراءات وغيرها وأسمع الكتب الكبار ، وكان زائد الذكاء والتودد ، حسن العشرة والفتوة والتواضع ، مع جودة الخط ، وتوسع النظم والنثر ، ولكن كثر استرواحه في الإقراء والتواضع ، بحيث لم يجده كثيرون فيهما ، وربما استشعر ذلك ، فبالغ عند الغرباء في الاعتذار ، وامتنع من عمل الخلع ، متمسكاً بأنه غالباً حيلة ، وهي لا تجوز ، ولم يعجب ذلك فضلاء مذهبه ، وأقل بأخرة على الاشتغال بالذكر والأوراد والتلاوة الجيدة بصوته الشجي المنعش حتى ارتقى إلى غاية شريفة في الخير ، سيما وهو يتوجه في كل سنة إلى المدينة النبوية ويقيم بها غالباً نصف سنة ، وربما أقام بها سنة كاملة بل جمع بين المساجد الثلاثة في عام ، فإنه توجه في سنة