شمس الدين السخاوي
165
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
أثناء كتاب الصلاة في نحو ثلاثمائة مجلس ، أولها : السادس عشر بعد المائة ، ولكن تخللها يسير في غيره ، ثم لما كبر وتعب وصعب عليه التخريج ، استروح إلى إملاء غير ذلك مما خرجه له شيخنا أو مما لا يحتاج إلى كبير تعب ، فكان من ذلك فيما يتعلق بطول العمر ، وأنشد في آخره قوله في أبيات تزيد على عشرين بيتاً : بلغت في ذا اليوم سن الهرم * تهدم العمر كسيل العرم وآخر ما أملاه كان في صفر سنة ست وثمانمائة لما توقف النيل ، وشرق أكثر بلاد مصر ، ووقع الغلاء المفرط وختم المجلس بقصيدة أولها : أقول لمن يشكو توقف نيلنا * سل الله يمدده بفضل وتأييد ويقول في آخرها : وأنت فغفار الذنوب وساتر ال * عيوب ، وكشاف الكروب إذا نودي وصلّى بالناس صلاة الاستسقاء وخطب خطبة بليغة ، فرأوا البركة بعد ذلك من كثرة الشيء ووجوده مع غلائه ومع تمشية أحوال الباعة بعد اشتداد الأمر جداً ، وجاء النيل تلك السنة عالياً بحمد الله تعالى ، وكان المستملي ولده ، وربما استملى البرهان الحلبي أو شيخنا أو الفخر البرماوي ، قال شيخنا في معجمه : وكان يمليها من حفظه ، متقنة مهذبة محررة ، كثيرة الفوائد الحديثية ، وحكى رفيقه الحافظ الهيثمي : أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وعيسى عليه السلام عن يمينه وصاحب الترجمة عن يساره قال شيخنا : وكان منور الشيبة جميل الصورة كثير الوقار ، نزر الكلام ، طارحاً للتكلف ، ضيق العيش ، شديد التوقي في الطهارة ، لا يعتمد إلا على نفسه ، أو على الهيثمي المشار إليه ، وكان رفيه وصهره لطيف المزاج سليم الصدر ، كثير الحياء ، قلّ أن يواجه أحداً بما يكرهه ولو آذاه ، متواضعاً منجمعاً ، حسن النادرة والفكاهة ، قال : وقد لازمته مدة فلم أره ترك قيام الليل ، بل صار له كالمألوف ، وإذا صلّى الصبح استمر غالباً في مجلسه مستقبل القبلة ، تالياً ذاكراً ، إلى أن تطلع الشمس ، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وبستة من شوال ، كثير التلاوة إذا ركب ، قال : وقد أنجب ولده الولي أحمد ، ورزق السعادة في رفيقه الهيثمي ، قال : وليس العيان في ذلك كالخبر ، وقال في صدر أسئلة له : سألت سيدنا وقدوتنا ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا ، شيخ الإسلام ، أوحد الأعلام ، حسنة الأيام ، حافظ الوقت فلاناً ، وفي أنبائه : أنه صار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الأسنائي ، وهلم جراً قال : ولم نر في هذا الفن أتقن منه ، وعليه تخرج غالب أهل عصره ، ومن أخصهم به : شيخنا صهره الهيثمي وهو الذي درّبه وعلمه كيفية التخريج والتصنيف ، بل كان هو الذي يعمل له خطب كتبه ويسميها له ، وصال الهيثمي