محمد جواد مغنية
21
التفسير الكاشف
والتقدير فلما جاء الرسول سليمان . فما آتاني ( ما ) مبتدأ وخير خبر . وأذلة حال من ضمير الغائب في لنخرجنهم ، وجملة هم صاغرون حال . المعنى : « فَلَمَّا جاءَ » - الرسول - « سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ » . حمل وفد الملكة الهدية إلى سليمان ، وفيها كل نفيس وثمين ، ولما رآها قال للذين جاؤوا بها : دعوتكم إلى اللَّه ، فأتيتموني بالمال ، وعندي منه الشيء الكثير كما رأيتم ، بل أنعم اللَّه عليّ بما هو أعظم من المال ، أنعم علي بالنبوة والعلم ، وتسخير الرياح والجن والطير . . أتقيسونني بأنفسكم في عبادة المال وتعظيمه ؟ ويذكرنا هذا بقريش حين فاوضوا رسول اللَّه ( ص ) ، وقالوا له : ان كنت تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وان كنت تريد ملكا ملكناك علينا . ولما استيأسوا منه لجأوا إلى عمه أبي طالب ليقنع ابن أخيه بالملك والمال ، وإلا فالبطش والحرب . فقال رسول اللَّه ( ص ) مقالته الشائعة الذائعة : واللَّه يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته . « ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وهُمْ صاغِرُونَ » . الخطاب في ارجع لرئيس الوفد الذين جاؤوا بالهدية ، والمعنى ارجع أنت ومن معك بما جئتم به ، وبلَّغ قومك اني سأغزوهم بجيش من الإنس والجن والطير لا طاقة لهم ولا لغيرهم بمقاومته والصمود له . وكان الهدهد قد نقل لسليمان قول الملكة لقومها : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً . فأكد سليمان ذلك بقوله للرسول : « ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها » - من بلادهم - « أَذِلَّةً وهُمْ صاغِرُونَ » . « قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ » . لما رجع الوفد من عند سليمان إلى الملكة ، وأخبرها بما سمع ورأى لم تر بدا من السمع والطاعة ،