محمد جواد مغنية
16
التفسير الكاشف
والترف في زمانها ، وكانت تجلس على سرير ضخم وثمين مرصع بقلوب المساكين ، ومطلي بعرقهم ودمائهم . . وطريف قول بعض المفسرين : انه كان مسقوفا ، وان مساحته ثمانون ذراعا مربعا ، وأيضا علوه ثمانون . « وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ » . وتسأل : ان الطيور والحيوانات والحشرات تعرف بغريزتها مأكلها ومشربها وما يضرها وينفعها ، ويعرف الذكر منها الأنثى من نوعه ، والأنثى تعرف الذكر من نوعها ، تعرف ذلك وما إليه لأنه من مقومات وجودها ، وحافظ لحياتها واستمرار بقائها ، اما ان تميز بين الذكر والأنثى من الآدميين ، وتعرف ان اسم هذه القبيلة سبأ وتلك ثمود - مثلا - وان هؤلاء القوم يؤمنون باللَّه ، وأولئك يكفرون به ، أما هذا وما إليه فلا يتصل بحياتها من قريب أو بعيد كي تعرفه بالفطرة والغريزة . . إذن فمن أين جاء العلم للهدهد باسم القبيلة ، وبالمرأة التي تملكهم ، وبأنهم يعبدون الشمس ، مع أننا نحن الآدميين لا نميز بمجرد النظر الذكر من الأنثى في أكثر أنواع الطيور ، وفي جميع الحشرات والأسماك ؟ . الجواب : ان الآية أثبتت هذه الأوصاف لهدهد سليمان فقط ، وثبوتها له لا يستدعي ثبوتها لكل طير أو لكل هدهد تماما كما لا تستدعي معرفة فلان باللغة الانكليزية أن يعرفها كل الناس . . أما معرفة هدهد سليمان بما أخبره به فلا تفسير له عندنا إلا بمشيئة اللَّه . « أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ » . المراد بالخبء هنا خيرات الكون ، واللَّه سبحانه يخرجها لعباده بالأسباب الطبيعية كالنبات يخرجه من الأرض بسبب المطر ، والتوالد بسبب التلقيح ، أو بالوسائل العلمية كالمعادن وما إليها يخرجها اللَّه بأيدي العلماء وأدواتهم الفنية ، وقد عبّر سبحانه عن هذه الوسائل والأسباب بأيدي اللَّه حيث قال : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ - 71 يس . « اللَّهُ لا إِلهً إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » الذي لا يقاس بملكه ملك ، ولا بعظمته عظمة .