محمد جواد مغنية
62
التفسير الكاشف
تقديم الأفضل على المفضول : ( قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) إبليس يحتجّ بصلف ووقاحة ، ويقول للعلي الأعلى : من هو هذا الذي فضلته علي ؟ . وبأي شيء جعلته أكرم وأكمل ؟ . بل العكس هو الصحيح « أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » - 12 الأعراف . . برر الخبيث منطقه بأمر أرسله إرسال المسلَّمات ، وهو أنه أفضل وأكمل ، وإذا كان إبليس أفضل فكيف يسجد للمفضول أي لمن هو دونه . . أليس معنى الأمر بالسجود لآدم ان المفضول مقدم عند اللَّه على الأفضل ، وغير الأكمل على الأكمل ؟ . وقد غالط إبليس في منطقه هذا لأنه ليس أفضل من آدم ، بل العكس هو الصحيح ، بل لا فضل له ولا فيه على الإطلاق ، وعليه فان اللَّه لم يقدم المفضول كما زعم إبليس . . وأي عقل يجيز على اللَّه أن يقرب الأبعد ، ويبعد الأقرب ؟ . وقد خفيت هذه الحقيقة على المعتزلة والأشاعرة ، حيث قالوا : يجوز تقديم المفضول على الأفضل ( المواقف ج 8 ص 373 ) . وقال الأشاعرة : ان العقل يجيز على اللَّه أن يعاقب المطيع ، ويثيب العاصي لأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه شيء ( المواقف ج 8 ص 195 ) . أما الشيعة الإمامية فقالوا : ان العقل لا يجيز على اللَّه ان يعاقب المحسن ، ويجيز عليه العفو عن المسئ ، تماما كما يجوز لصاحب الحق أن يعفو عنه كلا أو بعضا . وقالوا أيضا : لا يجيز العقل تقديم المفضول لأنه في رتبة أدنى ، والأفضل في رتبة أعلى بحسب الترتيب الطبيعي ، فجعل الأعلى أدنى ، والأدنى أعلى مخالف لمنطق العقل والطبيعة . ( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً ) . إبليس يهدد بالانتقام لنفسه من ذرية آدم لا لشيء إلا لأن اللَّه كرمه عليه ، ينتقم منهم بأن يقودهم معه إلى معصية اللَّه ، كما تقاد الدابة بحنكها إلا القليل منهم ، وهم من آمن وأخلص . . ثم يطلب إبليس من اللَّه أن يمهله ويمد في حياته ليغوي ويفسد ، فاستجاب اللَّه لطلبه و ( قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ) . لما هدد إبليس باغواء الآدميين هدده اللَّه ومن اتبعه من الغاوين ، وقال له : افعل