محمد جواد مغنية
139
التفسير الكاشف
تأتيهم فاعل منع . وقبلا حال من العذاب . وما أنذروا ( ما ) اسم موصول في محل نصب عطفا على آياتي . وهزوا مفعول ثان لاتخذوا . المعنى : ( ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) . المراد بالإنسان هنا أكثر الناس لقوله تعالى في العديد من الآيات : أكثر الناس لا يعقلون . . أكثر الناس لا يعلمون . . أكثر الناس لا يؤمنون . أما القرآن الكريم فهو كتاب اللَّه إلى عباده يهديهم بدلائله ومواعظه ، ويحثهم على التمسك بأحكامه وتعاليمه . وقد أوضح سبحانه هذه المواعظ والدلائل بشتى الأساليب ، وضرب عليها من أجل ذلك الكثير من الأمثال ، منها الرجلان المذكوران في الآية 32 ، وتشبيه الحياة بالماء في الآية 45 من هذه السورة ، ولكن أكثر الناس لا يعقلون ويخاصمون في أوضح الواضحات ، ويحاولون إبطال الحق ودحضه بالمماراة والأكاذيب . ( وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ) . المراد بالهدى القرآن وبيناته الواضحة ، وبالاستغفار التوبة ، وبسنة الأولين الإهلاك كما حدث لقوم نوح ولوط وعاد وثمود ، والمعنى ان المشركين لا يحاولون ان يؤمنوا باللَّه أو يفكروا بالايمان إلا عندما يوجد أحد أمرين ، الأول أن ينزل بهم عذاب الاستئصال كما نزل بمن كان قبلهم ، فيؤمنوا حيث لا يغني الايمان عنهم شيئا ، كفرعون الذي آمن باللَّه لما أيقن بالهلاك والغرق . الأمر الثاني أن يروا العذاب عيانا وجها لوجه . وبكلام آخر ان اللَّه سبحانه بعد أن بيّن في الآية السابقة انه قدّم الدلائل الواضحة ، وأبى أكثر الناس الا الكفر والجدال بالباطل ، بعد هذا قال في هذه الآية : وما تغني الآيات والنذر عند قوم لا يؤمنون الا عند سكرات الموت ، أو حين يهدّدون بالعذاب الذي يرونه بأعينهم ويعتقدون انه نازل بهم لا محالة إذا خالفوا الرسل . ( وما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ) . هذه هي مهمة الرسل تبشير من أطاع بالنعيم ، وإنذار من عصى بالجحيم . وتكرر هذا المعنى أكثر من مرة .