محمد جواد مغنية

13

التفسير الكاشف

أن يوصله المسلمون إلى مكان يأمن فيه على نفسه ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) ذلك إشارة إلى إجارة المسلم للمشرك ، وإسماعه كلام اللَّه ، وإبلاغه مأمنه ، وقوله : ( بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ ) بيان للسبب ، وهو جهل المشركين المستجيرين بالإسلام وحقيقته . وأفتى الفقهاء بأن للمسلم ان يؤمّن حين القتال آحادا من المشركين المقاتلين شريطة عدم المفسدة في الأمان بأن لا يكون المستجير جاسوسا ، ولا يتعطل الجهاد والقتال بأمانه . ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ) . هذه الآية مكملة للآية الأولى والرابعة من هذه السورة ، فقد أوجب سبحانه في الآية الأولى نقض العهد مع المشركين الذين خانوه ولم يفوا به ، وهؤلاء الناكثون هم المعنيون بقوله تعالى هنا : ( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ ) . وأوجب سبحانه في الآية الرابعة الوفاء بعهد المشركين الذين وفوا بالعهد ولم ينقصوا منه شيئا ، وهم قوم من كنانة كما أشرنا ، وهؤلاء الأوفياء هم المعنيون بالاستثناء في قوله تعالى : ( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهً يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) . أي أبقوا معهم على عهد المهادنة والمسالمة ما بقوا عليه ، لأن اللَّه يكره أهل الخيانة والغدر ، ويحب الأوفياء والأتقياء ، وقوله : عند المسجد الحرام يشير إلى المكان الذي تم فيه الاتفاق مع كنانة ، لأن النبي ( ص ) عاهدهم مع من عاهد في الحديبية ، وهي قريبة من مكة المكرمة . ( كَيْفَ وإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا ولا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وتَأْبى قُلُوبُهُمْ وأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) . ضمير يظهروا ويرقبوا يعود إلى الناكثين ، وقد وصفهم عظمت صفاته أولا باللؤم والشراسة ، لأنهم لو قدروا على المسلمين لفعلوا بهم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد ولا لإنسانية ، ووصفهم ثانية بالنفاق وانهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وثالثا وصفهم بالفسق ، وكل صفة من هذه الثلاث تقضي عليهم بأشد العقوبات ، وبإسقاطهم من جميع حقوق الإنسانية ، لا من حق الوفاء لهم بالعهد فقط ، فكيف إذا اتصفوا بالرذائل الثلاث مجتمعة ! وتسأل : ان الكفار كلهم فاسقون ، لأن الكفر فسق وزيادة ، فكيف استثنى سبحانه البعض بقوله : ( وأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) ؟ .