محمد جواد مغنية

12

التفسير الكاشف

( ذلِكُمْ فِسْقٌ ) . إشارة إلى خصوص الاستقسام بالأزلام دلالة ، والى جميع المحرمات المذكورة حكما ، وبهذا يتبين معنا ان اختلاف المفسرين حول ذلكم : هل هي إشارة إلى خصوص الأخير ، أو إلى الجميع ؟ ان هذا الاختلاف لا جدوى منه ، ما دام حكم الجميع واحدا ، من حيث الفسق ، أي الذنب العظيم . ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ ) . قال كثير من المفسرين : ان المراد باليوم في الآية اليوم الذي نزلت فيه من ذي الحجة في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة ، وعليه يكون الألف واللام في اليوم للعهد ، وقال صاحب مجمع البيان : اليوم هنا بمعنى الآن ، كما يقول القائل : اليوم قد كبرت ، أي الآن قد كبرت . ومهما يكن فان معنى الآية ان الكفار يئسوا من زوال الإسلام ، أو تحريفه بعد أن تمكن في نفوس أتباعه ، وأخذ طريقه في الانتشار يوما بعد يوم . . إذن ، فلا تخافوا - أيها المسلمون - من الكافرين ، وخافوا من اللَّه وحده ، وصدق اللَّه العظيم في كل ما يقول : « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ويَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهً الْكافِرُونَ ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهً الْمُشْرِكُونَ - 33 التوبة » . ومن المفيد بهذه المناسبة أن نقطف جملا من كتاب « الإسلام في القرن العشرين » للعقاد ، قال : « ان العقيدة الإسلامية لم تكن قوة غالبة ، وحسب في أبان النشأة والظهور ، ولكنها كانت قوة صامدة بعد مئات السنين . . وصمود القوة الإسلامية في أحوال الضعف عجيب كانتصارها في أحوال القوة والسطوة ، ولا سيما الصمود بعد أكثر من عشرة قرون . . ان قوة صمود العقيدة الإسلامية في صدر الإسلام عجيبة ، ولكن صمودها الآن أعجب ، لأنها لا تملك الدفاع النافع ولا مال لديها ولا سلاح ولا علم ولا معرفة ، بل لا تملك الدفاع ، ولا اتفاق بين أهلها على الدفاع . . ان قوة العقيدة الإسلامية قد سرت مسراها في أرجاء العالم بمعزل عن حروب الدول وسياستها ، وعن عروش العواهل وتيجانها ، وفي إفريقية اليوم مائة مليون مسلم ، لا شأن في إسلامهم لدولة أو سياسة ، وقريب من هذا العدد مسلمون