محمد جواد مغنية
8
التفسير الكاشف
وقد اختلفوا في المراد منه : هل هو العقل ، أو الزبور ، أو القرآن ، أو كل دلالة فاصلة بين الحق والباطل ، واختار الشيخ محمد عبده العقل ، وصاحب مجمع البيان القرآن . ولفظ الآية يحتمل المعنيين . ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ إِنَّ اللَّهً لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ) . قال المفسرون : ان ستين رجلا من نصارى نجران اليمن وفدوا على رسول اللَّه السنة التاسعة للهجرة ، وهي السنة المعروفة بعام الوفود ، حيث توافد فيه الناس على النبي ( ص ) من شتى بقاع الجزيرة العربية يخطبون وده بعد أن نصره اللَّه على أعداء الإسلام ( 1 ) واحتج وفد نجران لعقيدة النصارى بالتثليث وألوهية عيسى ، احتج بأن عيسى ولد من غير أب ، وبما جرى على يديه من المعجزات التي اعترف بها القرآن . وقال المفسرون أيضا : ان سورة آل عمران من أولها إلى نحو ثمانين آية نزلت في نصارى نجران ، والرد عليهم ، فبدأ اللَّه سبحانه بذكر التوحيد نفيا للتثليث ، ثم ذكر القرآن والتوراة والإنجيل ، لأن هذه الكتب الثلاثة تنزه اللَّه عن الولد ، والحلول أو الاتحاد ، وتنفي عن عيسى طبيعة الألوهية ، ثم ذكر سبحانه : ( إِنَّ اللَّهً لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ ) للرد على قول النصارى بأن عيسى كان يعلم الغيب . ثم ذكر جل وعلا انه ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهً إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) . ذكر سبحانه هذا ليبطل به قول النصارى بأن عيسى إله لأنه من غير أب ، ووجه البطلان ان الإله لا يخلق ويوجد في الأرحام ، وإنما الإله هو الخالق المصور للمخلوق في رحم أمه ، فان شاء خلقه وصوره بواسطة الأب ، وإن شاء خلقه بغير هذه الواسطة حسبما تستدعيه حكمته القدسية . وخلاصة القول إن الإخبار ببعض المغيبات ، وإحياء بعض الأموات ، والولادة بلا أب لا يدل شيء منها على أن عيسى إله ، لأن الإله هو الذي يعلم جميع المغيبات ، لا بعضها ، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ،
--> ( 1 ) التفصيل عند تفسير الآية 61 المعروفة بآية المباهلة . فإلى هناك .