محمد جواد مغنية
11
التفسير الكاشف
و « منها » : أن يتردد اللفظ بين معنيين أو أكثر ، مثل قوله تعالى : والْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، حيث يطلق القرء على الطهر والحيض معا . و « منها » أن يكون اللفظ عاما يشمل بظاهره جميع المكلفين ، ولكن المراد منه بعض أفراده ، لا جميعها ، مثل قوله تعالى : والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما . . مع العلم بأن السارق لا يقطع إذا كان أبا لصاحب المال ، ولا في سنة المجاعة ، ولا إذا كان المسروق في غير حرز ، أو كان دون ربع دينار . و « منها » : الحكم المنسوخ ، كالصلاة إلى بيت المقدس ، حيث دل الدليل على ثبوت هذه القبلة واستمرار حكمها في بدء الدعوة ، ثم جاء دليل الناسخ ، وحوّلها إلى الكعبة . وليس من شرط المتشابه ان لا ترجى معرفته إطلاقا ، حتى للعلماء ، وبشتى أنواعه . . كلا ، فان جميع أنواع المتشابه - ما عدا النوع الأول - يمكن لعلماء الأصول العارفين بطرق التأويل ، وأحكام الخاص والعام ، والناسخ والمنسوخ ، والترجيح بين المتعارضين - ان يستخرجوا الخاص من العام ، ويميزوا بين الناسخ والمنسوخ ، والراجح والمرجوح ، والمعنى المعقول الذي أوّلت به الدلالة اللفظية بعد أن رفضها العقل . . وعلى هذا يكون المتشابه بالنسبة إلى العالم واضحا ، ولكن بعد البحث والاستقصاء ، وعملية الموازنة والمقارنة بين المتشابه ، وبين ما يتصل به من القرائن والدلائل . . أجل ، يبقى المتشابه على أشكاله بالنسبة إلى الجاهل الذي لا يجوز له أن يؤوّل ، أو يأخذ بظاهر يقبل التخصيص أو النسخ . وخلاصة القول إن العلماء يعلمون معاني القرآن ، وهو بلاغ مبين بالنسبة إليهم إذ لا يجوز بحال أن ينزل اللَّه كلاما لا معنى له ، أو لا يفهمه أحد ، حتى العلماء . . كيف ؟ وقد أمر الله بتدبر القرآن ، ولا يكون التدبر والتعقل إلا للمعقول . . والذي لا يفهم لا يمكن تدبره وتعقله . وتسأل : ان اللَّه قد وصف كتابه العزيز بأن آياته كلها محكمة ، قال عز من قائل في الآية 1 من سورة هود : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ » . . وأيضا وصف كتابه بأن آياته كلها متشابهة ، قال في الآية 23 الزمر : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً » . . وأيضا وصف كتابه بأن بعض آياته محكمة ،