محمد جواد مغنية
135
التفسير الكاشف
الثمن من الشيطان ، وليس من الضروري أن يكون الثمن مالا فقط ، فقد يكون جاها ، أو غيره من الشهوات والملذات الدنيوية ( 1 ) . وكرر اللَّه سبحانه الويل للمزوّرين ثلاث مرات في آية واحدة ، للتأكيد على أن الافتراء عليه ، وعلى نبيه من أعظم المعاصي وأشدها عقابا وعذابا : « وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ ، وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى - طه 61 » . العالم لا يحكم بالواقع : ونشير بهذه المناسبة إلى أن العالم مهما بلغت مكانته من العلم فعليه أن لا ينسب أي شيء إلى اللَّه ورسوله على أنه هو الواقع المسطور في اللوح المحفوظ ، فإذا أفتى بالتحليل أو التحريم ، أو حكم بشيء على أنه حق ، أو فسر آية أو رواية ، فعليه إذا فعل شيئا من ذلك أن يفعله بتحفظ ملتفتا إلى أن حكمه ، أو فتواه ، أو تفسيره ما هو إلا مجرد رأي ونظر يخطئ ويصيب ، لا صورة طبق الأصل عن الواقع ، وبهذا وحده يعذر عند اللَّه إذا اجتهد وأفرغ الوسع ، أما إذا قصر في الاجتهاد والبحث ، أو بحث ونقب ولم يقصر ولكنه جزم بأن قوله هو قول اللَّه ورسوله بالذات دون سواه ، أما هذا فشأنه شأن الذين يفترون على اللَّه الكذب ، حتى ولو كان أعلم العلماء ، لأن العالم لا يفتي ولا يحكم بالحق واقعا ، بل بما يعتقد انه الحق ، وهذا يحتمه مبدأ عدم العصمة . « وقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ » الآية 80 - 82 : وقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
--> ( 1 ) أثبت أهل الاختصاص بتاريخ اللغات والعادات ان التوراة الحالية التي يعتقد اليهود انها نزلت من اللَّه على موسى ، أثبتوا انها الفت في عصور لاحقة لعصر موسى بأمد غير قصير ، واستخرج الباحثون هذه الحقيقة من ملاحظة اللغات والأساليب ومن الأحكام والموضوعات ، والبيئات الاجتماعية والسياسية التي تنعكس في التوراة ، ولا تمت إلى عصر موسى بسبب ، وسنحاول العودة ثانية إلى هذا الموضوع بصورة أوسع ان شاء اللَّه .