وهبة الزحيلي
1919
التفسير الوسيط
وأنه لم يعلم بوجود إله آخر سواه ، وتحدّى ببناء صرح أو برج للبحث عن إله موسى في السماوات ، واستبدّت به المادة الحسّيّة والأهواء فتصوّر أن الإله كالبشر ، وعلا واستكبر ، فجعله اللَّه مع جنوده غرقى في البحر ، وجعلهم قادة إلى النار ، وأتبعهم اللعنة والطَّرد من رحمة اللَّه ، وأيّد اللَّه موسى بالتّوراة بصيرة وهداية ورحمة لمن يتذكر ويخشى ، قال اللَّه تعالى مبيّنا هذه الفصول : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 38 إلى 43 ] وقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً ( 1 ) لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِله مُوسى وإِنِّي لأَظُنُّه مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) واسْتَكْبَرَ هُوَ وجُنُودُه فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْناه وجُنُودَه فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ويَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ ( 41 ) وأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِه الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 2 ) ( 42 ) ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولى ( 3 ) بَصائِرَ لِلنَّاسِ وهُدىً ورَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 ) [ القصص : 28 / 38 - 43 ] . ثبّت اللَّه موسى عليه السّلام في محاجّة فرعون ، وآتاه اللَّه التوراة هداية ورحمة ، ودمّر فرعون وقومه الذي نادى في قومه : يا أيها الملأ الأشراف والكبراء ، لم أعلم بوجود إله غيري ، فإله موسى غير موجود ، فاصنع لي أيها الوزير هامان آجرّا ( طينا مشويّا بالنار ) وابن لي به قصرا عاليا في الفضاء ، حتى أصعد به إلى السماء ، فأشاهد إله موسى الذي يعبده ، توهّما منه بأن الإله جسم مادّي كالبشر ، وإني لأعتقد بأن موسى كاذب في ادّعائه وجود إله غيري . واستكبر فرعون وجنوده في أرض مصر ، بالباطل والإفك المجافي للحقيقة ،
--> ( 1 ) قصرا شامخا . ( 2 ) المطرودين المبعدين من رحمة اللَّه . ( 3 ) الأمم الماضية المكذبة .