وهبة الزحيلي
1907
التفسير الوسيط
موسى عليه السّلام وتكامل عقله وحزمه ، أي استوى ، وذلك - عند الجمهور - مع سنّ الأربعين ، وقيل : ثلاثين ، آتاه اللَّه الحكم ، أي الحكمة ، والعلم : المعرفة بشرع إبراهيم عليه السّلام ، وكما فعل اللَّه ذلك بموسى فعل بسائر الأنبياء ، ليجزي المحسنين على إحسانهم ، وقد رجح الإمام الفخر الرازي : أن المراد بالحكم هنا : الحكمة والعلم لا النّبوة ، والحكمة والعلم مقدّمات لنبوة موسى عليه السّلام . والأشد : شدة البدن واستحكام أمره وقوته . واستوى : معناه تكامل عقله وحزمه . وحدث في هذه المرحلة من العمر : أن دخل موسى عليه السلام مدينة عين شمس ، على بعد فرسخين من مصر القديمة ، في وقت القائلة أو القيلولة ، وقت الغفلة ، والناس نيام ، فوجد فيها رجلين يتخاصمان ، أحدهما إسرائيلي من قومه أو شيعته وحزبه ، والآخر مصري فرعوني ، هو طبّاخ فرعون ، وكان قد طلب من الإسرائيلي أن يحمل حطبا للمطبخ فأبى ، فطلب الإسرائيلي المساعدة والعون على عدوه الفرعوني ، فضربه موسى بيده على لحيته ، فقضى عليه ، أي قتله ، أي كان الضرب الخطأ مفضيا خطأ إلى الموت ، فإن موسى لم يرد قتل القبطي ، لكن وافقت وكزته الأجل ، ونشأ عنها موته ، فندم موسى ، ورأى أن ذلك من نزغ الشيطان في يده ، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة ، كان من الشيطان ومن همزه ، فنسب إلى عمله ، وقد اقترنت قوته الكبيرة بوقت غضبه ، بأكثر مما يقصد ، وكان الحادث قبل النّبوة . فندم موسى على ما فعل ، وقال : إن هذا العمل من تزيين الشيطان وإغرائه ، إن الشيطان عدوّ للإنسان ، موقع له في الضلال والخطأ . ثم تاب موسى عليه السلام من فعله هذا فقال : * ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) * أي يا ربّ إني أوقعت نفسي في الظلم والإثم بهذا الفعل ، وهو قتل نفس بريئة ، فاستر لي ذنبي ، ولا تؤاخذني بجناية نفسي ، وإني نادم على ما فعلت ، وأتوب إليك