وهبة الزحيلي

938

التفسير الوسيط

أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر ذلك منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، فأنزل الله : * ( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) * الآية ، وأنزل : وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [ يوسف : 12 / 109 ] فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 43 / 31 ] يكون أشرف من محمد ، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف . فأنزل الله ردا عليهم : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [ الزخرف : 43 / 32 ] . ابتدأ الله تعالى هذه السورة ( سورة يونس ) بقوله * ( الر ) * كابتداء البقرة ب ألم ( 1 ) والقصد من هذه الحروف المقطعة التنبيه إلى ما يتلى بعدها ليعتني المرء بفهم ما يسمع أو يقرأ ، وتعديد الحروف على طريق تحدي العرب بأن يأتوا بشيء من مثل هذه السورة أو بغيرها من القرآن ، وحيث إنهم عجزوا ، دل ذلك على أن القرآن كلام الله تعالى . تلك آيات القرآن المحكم ، أو ذات الحكمة لاشتماله عليها ، أو تلك آيات السورة الحكيمة ، التي أحكمها الله وبيّنها لعباده ، وقوله تعالى : * ( تِلْكَ ) * بمعنى ( هذه ) . و * ( الْكِتابِ ) * المراد به القرآن ، وهو الأظهر . وقوله تعالى : * ( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ) * يراد به الإنكار على من تعجب من الكفار على إرسال المرسلين من البشر ، أي عجيب أمر بعض الناس الذين ينكرون إيحاءنا إلى رجل من جنسهم من البشر ، قال ابن عباس : لما بعث الله تعالى محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رسولا ، أنكرت العرب ذلك ، أو من أنكر منهم ، فقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ، فأنزل الله عز وجل : * ( أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ) * . هذا التعجب في غير محله ، لأن كل الرسل من البشر ، من جنس المرسل إليهم ليكون ذلك أدعى إلى قبول دعوتهم والتفاهم معهم .