وهبة الزحيلي
948
التفسير الوسيط
لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 1 ) ( 11 ) وإِذا مَسَّ الإِنْسانَ الضُّرُّ ( 2 ) دَعانا لِجَنْبِه ( 3 ) أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْه ضُرَّه مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّه كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) [ يونس : 10 / 11 - 12 ] . قال مجاهد : « نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا ، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابتهم إلى الخير لأهلكهم » . وقيل : إن هذه الآية نزلت بمناسبة قوله تعالى واصفا طيش المشركين : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 8 / 32 ] . وقيل : نزلت في قوله تعالى : ائْتِنا بِما تَعِدُنا [ الأعراف : 7 / 77 ] وما جرى مجراه . والمعنى : إن الإنسان كما يتعجّل الخير ، لأنه يحبّه ، يتعجّل الشرّ حين يغضب ويضجر ، فلو استجاب الله للناس دعاءهم في حال الشرّ ، كاستعجالهم تحقيق الخير ، لأميتوا وهلكوا ، مثل استعجال مشركي مكة إنزال العذاب عليهم ، كما قال تعالى : ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [ الرّعد : 13 / 6 ] . وسمى الله تعالى العذاب شرّا في هذه الآية ، لأنه أذى في حقّ المعاقب ، ومكروه عنده ، كما سماه سيّئة في آية : ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ولكنه سبحانه وتعالى بحلمه ولطفه بعباده لا يستجيب للناس دعاءهم في الشرّ ، إمهالا لهم وتركا لفرصة التّأمل والتفكير ، إذ لو أجابهم لانتهى أمر وجودهم وهلكوا ، كما هلك الذين كذبوا الرّسل ، وربما آمن بعضهم بالله . وأما عذاب سائر الكفار فيتركه إلى يوم القيامة ، فيترك الذين لا يتوقعون لقاء الله ولا يؤمنون بالبعث ، في طغيان الكفر والتكذيب ،
--> ( 1 ) في تجاوزهم الحدّ في الكفر يتحيّرون . ( 2 ) استغاث بنا لكشفه في حال الاتكاء على جنبه . ( 3 ) استمر على حالته الأولى .