عبد الوهاب بن علي السبكي

255

طبقات الشافعية الكبرى

ولا ينكر علو مرتبة المازري ولكن كل حال لا يعرفه من لم يذقه أو يشرف عليه وكل أحد إنما يتكيف بما نشأ عليه ووصل إليه وأما من ذكر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في هذا المقام فالله يوفقنا وإياه لفهم مقامهما على قدرنا وأما على قدرهما فمستحيل بل وسائر الصحابة لا يصل أحد ممن بعدهم إلى مرتبتهم لأن أكثر العلوم التي نحن نبحث وندأب فيها الليل والنهار حاصلة عندهم بأصل الخلقة من اللغة والنحو والتصريف وأصول الفقه ما عندهم من العقول الراجحة وما أفاض الله عليهم من نور النبوة العاصم من الخطأ في الفكر يغني عن المنطق وغيره من العلوم العقلية وما ألف الله بين قلوبهم حتى صاروا بنعمته إخوانا يغني عن الاستعداد للمناظرة والمجادلة فلم يكن يحتاجون في علومهم إلا إلى ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة فيفهمونه أحسن فهم ويحملونه على أحسن محمل وينزلونه منزلته وليس بينهم من يمارى فيه ولا يجادل ولا بدعة ولا ضلالة ثم التابعون على منازلهم ومنوالهم قريبا منهم ثم أتباعهم وهم القرون الثلاثة التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم لها بأنها خير القرون بعده ثم نشأ بعدهم وكان قليلا في أثناء الثاني والثالث أصحاب بدع وضلالات فاحتاجت العلماء من أهل السنة إلى مقاومتهم ومجادلتهم ومناظرتهم حتى لا يلبسوا على الضعفاء أمر دينهم ولا يدخلوا في الدين ما ليس منه ودخل في الكلام أهل البدع من كلام المنطقين وغيرهم من أهل الإلحاد شيء كثير ورتبوا علينا شبها كثيرة فإن تركناهم وما يصنعون استولوا على كثير من الضعفاء وعوام المسلمين والقاصرين من فقهائهم وعلمائهم فأضلوهم وغيروا ما عندهم من الاعتقادات الصحيحة وانتشرت البدع والحوادث ولم يمكن كل واحد أن يقاومهم