عبد الوهاب بن علي السبكي
27
طبقات الشافعية الكبرى
لا تغير الشيء عن صفته في الإباحة والتحريم ويبين صحة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى « يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك » كفر عن يمينه وروي أنه آلى من نسائه شهرا ولم يحنث فدل على أن الإباحة كانت باقية على صفتها وأما قوله تعالى « واحفظوا أيمانكم » فإنما أراد به الأمر بتقليل اليمين حفظا كما قال الشاعر : قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن بدرت منه الألية برت ومعلوم أنه لم يرد حفظ اليمين من الحنث والمخالفة لأن ذلك قد ذكره في المصراع الثاني فثبت أنه أراد بذلك التقليل وأما قوله إن اليمين موضوعة للمنع فلا يجوز أن تكون سببا لما يتعلق به الكفارة فباطل بما لو قال لامرأته إن دخلت الدار أو كلمت زيدا فأنت طالق فإنه قصد المنع بهذه اليمين من الدخول ثم هي سبب فيما يتعلق بها من الطلاق ولهذا قال أبو حنيفة لو شهد شاهدان على رجل أنه قال لامرأته إن دخلت الدار أو كلمت زيدا فأنت طالق وشهد آخران أنها دخلت الدار ثم رجعوا عن الشهادة إن الضمان يجب على شهود اليمين وهذا دليل واضح على أن اليمين هو السبب لأنها لو لم تكن سببا في إيقاع الطلاق لما تعلق الضمان عليهم فلما أوجب الضمان على شهود اليمين علم أن اليمين كانت سببا في إتلاف البضع وإيقاع الطلاق فانتقض ما ذكرت من الدليل وأما قولك إن الكفارة موضوعة لتغطية المآثم ورفع الجناح فلا يصح وكيف يقال إنها تجب لهذا المعنى ونحن نوجبها على قاتل الخطأ مع علمنا أنه لا إثم عليه وكذلك تجب على اليمين ولا إثم عليه وأما النقض فلازم وذلك أن الجرح لا يجوز أن يكون سببا لإيجاب الكفارة وإنما السبب في إيجابها فوات الروح والذي يبين صحة