عبد الوهاب بن علي السبكي

186

طبقات الشافعية الكبرى

وليس هذا معناها بل مراده أنه أنزل المذاهب كلها في منزلة النظر والاعتبار غير متعصب لواحد منها بحيث لا يكون عنده ميل يقوده إلى مذهب معين من غير برهان ثم توضح له الحق وأنه الإسلام فكان على هذه الملة عن اجتهاد وبصيرة لا عن تقليد ولا يخفى أن هذا مقام عظيم لا يتهيأ إلا لمثل هذا الإمام وليس يسمع به لكل أحد فإن غائلته تخشى إلا على من برز في العلوم وبلغ في صحة الذهن مبلغ هذا الرجل العظيم فأرشد إلى أن الذي ينبغي عدم الخوض في هذا واستعمال دين العجائز ثم أشار إلى أنه مع بلوغه هذا المبلغ وأخذه الحق عن الاجتهاد والبصيرة لا يأمن مكر الله بل يعتقد أن الحق إن لم يدركه بلطفه ويختم له بكلمة الإخلاص فالويل له ولا ينفعه إذ ذاك علومه وإن كانت مثل مدد البحر فانظر هذه الحكاية ما أحسنها وأدلها على عظمة هذا الإمام وتسليمه لربه تعالى وتفويضه الأمر إليه وعدم اتكاله على علومه ثم تعجب بعدها من جاهل يفهم منها غير المراد ثم يخبط خبط عشواء وذكر ابن السمعاني أيضا أنه سمع أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ بأصبهان ذكر عن محمد بن طاهر المقدسي الحافظ قال سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب بنيسابور وكان ممن يختلف إلى درس إمام الحرمين أنه قال سمعت أبا المعالي يقول لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به قلت أنا يشبه أن تكون هذه الحكاية مكذوبة وابن طاهر عنده تحامل على إمام الحرمين والقيرواني المشار إليه رجل مجهول ثم هذا الإمام العظيم الذي ملأت تلامذته الأرض لا ينقل هذه الحكاية عنه غير رجل مجهول ولا تعرف من غير طريق