عبد الوهاب بن علي السبكي

175

طبقات الشافعية الكبرى

ولا يحتاج إلى استدراك عثرة مرا فيها كالبرق الخاطف بصوت مطابق كالرعد القاصف ينزف فيه له المبرزون ولا يدرك شأوه المتشدقون المتعمقون وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة كنه الفصاحة غيض من فيض ما كان على لسانه وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه تفقه في صباه على والده ركن الإسلام فكان يزهى بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فيه من المخايل فخلفه فيه من بعد وفاته وأتى على جميع مصنفاته فقلبها ظهرا لبطن وتصرف فيها وخرج المسائل بعضها على بعض ودرس سنين ولم يرض في شبابه بتقليد والده وأصحابه حتى أخذ في التحقيق وجد واجتهد في المذهب والخلاف ومجلس النظر حتى ظهرت نجابته ولاح على أيامه همة أبيه وفراسته وسلك طريق المباحثة وجمع الطرق بالمطالعة والمناظرة والمناقشة حتى أربى على المتقدمين وأنسى تصرفات الأولين وسعى في دين الله سعيا يبقى أثره إلى يوم الدين ومن ابتداء أمره أنه لما توفي أبوه كان سنه دون العشرين أو قريبا منه فأقعد مكانه للتدريس فكان يقيم الرسم في درسه ويقوم منه ويخرج إلى مدرسة البيهقي حتى حصل الأصول وأصول الفقه على الأستاذ الإمام أبي القاسم الإسكاف الإسفرايني وكان يواظب على مجلسه وقد سمعته يقول في أثناء كلامه كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة وطالعت في نفسي مائة مجلدة وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه ويبكر كل يوم قبل الاشتغال بدرس نفسه إلى مجلس الأستاذ أبي عبد الله الخبازي يقرأ عليه القرآن ويقتبس من كل نوع من العلوم ما يمكنه مع مواظبته على التدريس وينفق ما ورثه وما كان له من الدخل