عبد الوهاب بن علي السبكي
50
طبقات الشافعية الكبرى
إمامك على رأسك قائم وجعل عبد الرحمن يقول من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع وجعل المعتصم يقول ويحك أجبني إلى شئ لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي فقلت يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله فرجع وقال للجلادين تقدموا فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى في خلال ذلك يقول شد قطع الله يدك قال أبى فذهب عقلي فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عنى فقال لي رجل ممن حضر إنا كببناك على وجهك وطرحناك على ظهرك ودسناك قال أبى فما شعرت بذلك وأتوني بسويق فقالوا لي اشرب وتقيأ فقلت لا أفطر ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى فلما انفتل من الصلاة قال لي صليت والدم يسيل في ثوبك فقلت قد صلى عمر وجرحه يثغب دما قال صالح ثم خلى عنه فصار إلى منزله وكان مكثه في السجن مذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلى عنه ثمانية وعشرين شهرا ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه قال يا ابن أخي رحمة الله على أبى عبد الله والله ما رأيت أحدا يشبهه ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام يا أبا عبد الله أنت صائم وأنت في موضع تقية ولقد عطش فقال لصاحب الشراب ناولني فناوله قدحا فيه ماء وثلج فأخذه ونظر إليه هنيئة ثم رده ولم يشرب فجعلت أتعجب من صبره على الجوع والعطش وهو فيما هو فيه من الهول قال صالح كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا في تلك الأيام فلم أقدر وأخبرني رجل حضره أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه فما لحن في كلمة قال وما ظننت أن أحدا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه