عبد الوهاب بن علي السبكي
128
طبقات الشافعية الكبرى
كان أبي رحمه الله يتردد فيه ويقول يحتمل أن يقال لا لأن الانقياد إنما هو بالظاهر ويحتمل أن يقال نعم لأن التصديق نوع من الانقياد والأمر في هذا سهل بقي علينا أن من لم ينطق بلسانه مع القدرة قد نقلوا الإجماع على أنه غير مؤمن إيمانا معتبرا وقلنا إن هذا الإجماع يخصص حديث من علم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ويظهر أن يتوسط فيمن اعتقد ولم ينطق مع القدرة إن كان قد ترك النطق قصدا أو عرض عليه أن ينطق فأبى فالأمر كذلك وإن كان وقع له ترك النطق اتفاقا وعلم الله تعالى منه أنه لو عرض عليه لبادر إليه فهذا في جعله كافرا نظر فإن كان محل الإجماع القسم الأول حمل قوله صلى الله عليه وسلم من علم أن لا إله إلا الله دخل الجنة على من علم ونطق أو كان تركه النطق اتفاقا لا قصدا وهو أولى من التأويل السابق وإن وقع الإجماع في الصورتين فهو قاطع لا يصادم فلا وجه حينئذ إلا تخصيص العموم به أو غير ذلك لما سبق فإن قلت لو كان الإيمان التصديق لوجب الحكم بأن من يقتل نبيا أو يستخف به أو يسجد لوثن أو يكف عن النطق بالشهادتين ولو قاصدا معروضتين عليه أو يلقي المصحف في القاذورات يكون مؤمنا لأن هذه الأفعال لا تضاد عقائد القلوب وما هو مودع فيها من معرفة علام الغيوب قلت الجواب من وجهين أحدهما قاله إمام الحرمين وحاصله أنا لسنا ننكر في قضية العقل مجامعة هذه الفواحش للمعرفة على ما قلتم فإن أفعال الجوارح لا تناقض عقد القلوب ولكن أجمع المسلمون على أن من بدر منه شيء مما وصفتم فهو كافر فعلمنا بهذا الإجماع أن الله تعالى لا يقضي على أحد بشيء مما وصفتم إلا وقد نزع المعرفة منه