أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي

118

تقييد العلم

ابن صالح عن ميسرة بن حبيب النهدي الكوفي عن المنهال بن عمرو عن سعيد ابن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى " وكان تحته كنز لهما " قال " علم صحفٍ " ، قال الحسن بن صالح " وأي كنز أفضل من العلم " . قال بعض الحكماء : لن يصان العلم بمثل بذله ، ولن تكافئ النعمة فيه بمثل نشره ؛ وقراءة الكتب أبلغ في إرشاد المسترشد من ملاقاة واضعيها ، إذ كان مع التلاقي يقوى التصنع ، ويكثر التظالم ، وتفرط النصرة ، وتشتد الحمية ، وعند المواجهة يملك حب الغلبة وشهوة المباهاة والرياسة ، مع الاستحياء من الرجوع ، والأنفة من الخضوع ؛ وعن جميع ذلك يحدث التضاغن ، ويظهر التباين . وإذا كانت القلوب على هذه الصفة امتنعت من المعرفة ، وعميت عن الدلالة ، وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية ، وإصابة الحجة ، لأن المتوحد بقراءتها ولمتفرد بعلم معانيها لا يباهي نفسه ، ولا يغالب عقله - قال : والكتاب قد يفضل صاحبه ، ويرجح على واضعه بأمور منها : أن الكتاب يقرأ بكل مكان ، ويظهر ما فيه على كل لسان ، وموجود في كل زمان مع تفاوت الأعصار ، وبعد ما بين الأمصار ، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب والمنازع في المسألة الجواب ، وقد يذهب العالم وتبقى كتبه ؛ ويفنى العقل ، ويبقى أثره . ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلدت من فنون حكمها ، ودونت من أنواع سيرها ، حتى شاهدناها بذلك ما غاب عنا ، وأدركنا به ما بعد منا ، وجمعنا إلى كثيرهم قليلنا ، وإلى جليلهم يسيرنا ؛ وعرفنا ما لم نكن نعرفه إلا بهم ، وبلغنا الأمد الأقصى بقريب رسومهم ؛ إذا حسر طلاب الحكمة ، وانقطع سببهم عن المعرفة ، ولو ألجينا إلى مدى قوتنا ، ومبلغ ما تقدر على حفظه خواطرنا ، وتركنا مع منتهى تجارتنا ، لما أدركته حواسنا وشاهدته نفوسنا ، لقلت المعرفة ، وقصرت