سيد محمد طنطاوي

96

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أو المعونة ، ولا يسأل قريب قريبه المساعدة والمؤازرة . . لأن كل واحد منهما مشغول بهموم نفسه من شدة هول الموقف ، كما قال - تعالى - : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه . وأُمِّه وأَبِيه . وصاحِبَتِه وبَنِيه . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه . والحميم : هو الصديق الوفي القريب من نفس صديقه . وضمير الجمع في قوله - سبحانه - * ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) * يعود إلى الحميمين ، نظرا لعمومهما ، لأنه ليس المقصود صديقين مخصوصين ، وإنما المقصود كل صديق مع صديقه . والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا ، إجابة عن سؤال تقديره : ولما ذا لا يسأل الصديق صديقه في هذا اليوم ؟ ألأنه لا يراه ؟ فكان الجواب : لا ، إنه يراه ويشاهده ، ويعرف كل قريب قريبه ، وكل صديق صديقه في هذا اليوم . . ولكن كل واحد منهم مشغول بهمومه . قال صاحب الكشاف : * ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) * أي : يبصر الأحماء الأحماء ، فلا يخفون عليهم ، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا ، وإنما يمنعهم التشاغل . فإن قلت : ما موقع يبصرونهم ؟ قلت : هو كلام مستأنف ، كأنه لمّا قال : * ( ولا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ) * قيل : لعله لا يبصره ، فقيل في الجواب : يبصرونهم ، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم . فإن قلت : لم جمع الضميرين في * ( يُبَصَّرُونَهُمْ ) * وهي للحميمين ؟ قلت : المعنى على العموم لكل حميمين ، لا لحميمين اثنين « 1 » . ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين في هذا اليوم فقال : يوم المجرم أي : يحب المجرم في هذا اليوم ويتمنى . * ( لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه ) * أي : يتمنى ويحب لو يفتدى نفسه من عذاب هذا اليوم بأقرب الناس إليه ، وألصقهم بنفسه . . وهم بنوه وأولاده . ويود - أيضا - لو يفتدى نفسه ب * ( صاحِبَتِه وأَخِيه ) * أي : بزوجته التي هي أحب الناس إليه ، وبأخيه الذي يستعين به في النوائب . * ( وفَصِيلَتِه الَّتِي تُؤْوِيه ) * أي : ويود كذلك أن ينقذ نفسه ، من العذاب بأقرب الأقرباء إليه . وهم أهله وعشيرته التي ينتسب إليها ، إذا الفصيلة هم الأقرباء الأدنون من القبيلة ، والذين هو واحد منهم . ومعنى * ( تُؤْوِيه ) * تضمه إليها ، وتعتبره فردا منها ، وتدافع عنه بكل وسيلة .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 609 .