سيد محمد طنطاوي
84
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعضهم يرى أن « لا » في مثل هذا التركيب ليست مزيدة ، وإنما هي أصلية ، ويكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم ، إذ كل عاقل عندما يقرأ القرآن ، يعتقد أنه من عند اللَّه . ويكون المعنى : فلا أقسم بما تبصرونه من مخلوقات ، وبما لا تبصرونه . . لظهور الأمر واستغنائه عن القسم . قال الشوكاني : قوله : * ( فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ ) * هذا رد لكلام المشركين ، كأنه قال : ليس الأمر كما تقولون . و « لا » زائدة والتقدير : فأقسم بما تشاهدونه وبما لا تشاهدونه . وقيل إن « لا » ليست زائدة ، بل هي لنفى القسم ، أي : لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق في ذلك . والأول أولى « 1 » . وتأكيد قوله : * ( إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * بإنّ وباللام ، للرد على المشركين الذين قالوا عن القرآن الكريم : أساطير الأولين . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : * ( وما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ ، قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ . ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) * . والشاعر : هو من يقول الشعر . والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب . وانتصب « قليلا » في الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف ، و « ما » مزيدة لتأكيد القلة . والمراد بالقلة في الموضعين انتفاء الإيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن اللَّه هو الذي خلقهم ، مع إشراكهم معه آلهة أخرى في العبادة . أي : ليس القرآن الكريم بقول شاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب العالمين ، على قلب نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم لكي يبلغه إليكم ، ولكي يخرجكم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان . ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به .
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 285 .