سيد محمد طنطاوي
76
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بحمل الأرض والجبال : إزالتهما من أماكنهما ، وتفريق أجزائهما . والدك : هو الدق الشديد الذي يترتب عليه التكسير والتفتيت للشيء . أي : عندما ينفخ إسرافيل في الصور بأمرنا نفخة واحدة ، وعند ما تزال الأرض والجبال عن أماكنهما ، وتتفتت أجزاؤهما تفتتا شديدا . فيومئذ * ( وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) * أي : ففي هذا الوقت تقع الواقعة التي لا مرد لوقوعها ، والواقعة من أسماء يوم القيامة . كالحاقة ، والقارعة . ثم بين - سبحانه - ما تكون عليه السماء في هذا اليوم فقال : * ( وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ) * . والانشقاق : الانفطار والتصدع . ومعنى : * ( واهِيَةٌ ) * ضعيفة متراخية . يقال : وهي البناء يهي وهيا فهو واه ، إذا كان ضعيفا جدا ، ومتوقعا سقوطه . أي : وفي هذا الوقت - أيضا - الذي يتم فيه النفخ في الصور بأمرنا تتصدع السماء وتتفطر ، وتصير في أشد درجات الضعف والاسترخاء ، والتفرق . وقيد - سبحانه - هذا الضعف بهذا الوقت ، للإشارة إلى أنه ضعف طارئ ، قد حدث بسبب النفخ في الصور ، أما قبل ذلك فكانت في نهاية الإحكام والقوة . وهذا كله للتهويل من شأن هذه النفخة ، ومن شأن المقدمات التي تتقدم قيام الساعة ، حتى يستعد الناس لها بالإيمان والعمل الصالح . والمراد بالملك في قوله - تعالى - : * ( والْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها ) * جنس الملك ، فيشمل عدد مبهم من الملائكة . . أو جميع الملائكة إذا أردنا بأل معنى الاستغراق . والأرجاء : الأطراف والجوانب ، جمع رجا بالقصر ، وألفه منقلبة عن واو ، مثل : قفا وقفوان . أي : والملائكة في ذلك الوقت يكونون على أرجاء السماء وجوانبها ، ينفذون أمر اللَّه - تعالى - * ( ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ) * أي : والملائكة واقفون على أطراف السماء ، ونواحيها . ويحمل عرش ربك فوق هؤلاء الملائكة في هذا اليوم ، ثمانية منهم ، أو ثمانية من صفوفهم التي لا يعلم عددها إلا اللَّه - تعالى - . وعرش اللَّه - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، فنحن نؤمن بأن للَّه - عز وجل - عرشا ، إلا أننا نفوض معرفة هيئته وكنهه . . إلى اللَّه - تعالى - .