سيد محمد طنطاوي

62

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقرأ نافع وأهل المدينة * ( لَيُزْلِقُونَكَ ) * - بفتح الياء - من زلق عن موضعه . و * ( إِنْ ) * هي المخففة من الثقيلة ، - واسمها ضمير الشأن محذوف ، و « لما » ظرفية منصوبة بيزلقونك . أو هي حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه . أي : لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك . . . « 1 » . أي : وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك ، أو ليزلون قدمك عن موضعها ، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا ، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر ، وهو القرآن الكريم . . * ( ويَقُولُونَ ) * على سبيل البغض لك * ( إِنَّه لَمَجْنُونٌ ) * أي : إن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لمن الأشخاص الذين ذهبت عقولهم . . * ( وما هُوَ ) * أي : القرآن الذي أنزلناه عليك * ( إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) * أي : تذكير باللَّه - تعالى - وبدينه وبهداياته . . وشرف لهم وللعالمين جميعا . وجاء قوله * ( يَكادُ ) * بصيغة المضارع ، للإشارة إلى استمرار ذلك في المستقبل . وجاء قوله * ( سَمِعُوا ) * بصيغة الماضي ، لوقوعه مع * ( لَمَّا ) * ، وللإشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السّيئ . . وجاء قوله * ( لَيُزْلِقُونَكَ ) * بلام التأكيد للإشعار بتصميمهم على هذه الكراهية ، وحرصهم عليها . وقوله - سبحانه - : * ( وما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) * رد على أكاذيبهم ، وإبطال لأقوالهم الزائفة ، حيث وصفوه صلى اللَّه عليه وسلم بالجنون ، لأنه إذا كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس . . لم يكن معقولا أن يكون مبلغه مجنونا . ومنهم من فسر قوله - تعالى - : * ( لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ . . ) * أي : ليحسدونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم . . قال الإمام ابن كثير : وقوله : * ( وإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ ) * قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : * ( لَيُزْلِقُونَكَ ) * : لينفذونك بأبصارهم ، أي : ليعينوك بأبصارهم ، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك ، لولا وقاية اللَّه لك ، وحمايتك منهم . وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر اللَّه - عز وجل - ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة .

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 277 للشوكاني .