سيد محمد طنطاوي

59

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) * أي : من حيث لا يعلمون أنه استدراج ، بل يزعمون أن ذلك إيثار لهم ، وتفضل على المؤمنين مع أنه سبب هلاكهم . وقوله : * ( وأُمْلِي لَهُمْ ) * أي : وأمهلهم ليزدادوا إثما . * ( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) * أي : لا يدفع بشيء . وتسمية ذلك كيدا - وهو ضرب من الاحتيال - لكونه في صورته ، حيث إنه - سبحانه - يفعل معهم ما هو نفع لهم ظاهرا ، ومراده - عز وجل - به الضرر ، لما علم من خبث جبلتهم ، وتماديهم في الكفر والجحود . . « 1 » . ثم عادت السورة الكريمة إلى إبطال معاذيرهم ، بأسلوب الاستفهام الإنكارى ، الذي تكرر فيها كثيرا ، فقال - تعالى - : * ( أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ . أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) * ؟ والمغرم والغرامة : ما يفرض على المرء أداؤه من مال وغيره . والمثقلون : جمع مثقل ، وهو من أثقلته الديون ، حتى صار في حالة عجز عن أدائها . والمراد بالغيب : علم الغيب ، وهو ما غاب عن علم البشر ، فالكلام على حذف مضاف . والمعنى : بل أتسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم إلى الحق والخير * ( أَجْراً ) * دنيويا * ( فَهُمْ ) * من أجل ذلك مثقلون بالديون المالية ، وعاجزون عن دفعها لك . . فترتب على هذا الغرم الثقيل . أن أعرضوا عن دعوتك ، وتجنبوا الدخول في دينك ؟ . أم أن هؤلاء القوم عندهم علم الغيب ، بأن يكونوا قد اطلعوا على ما سطرناه في اللوح المحفوظ من أمور غيبية لا يعلمها أحد سوانا . . فهم يكتبون ذلك ، ثم يصدرون أحكامهم . ويجادلونك في شأنها . وكأنهم قد اطلعوا على بواطن الأمور ! . الحق الذي لا حق سواه ، أن هؤلاء القوم ، أنت لم تطلب منهم أجرا على دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، ولا علم عندهم بشيء من الغيوب التي لا يعلمها أحد سوانا ، وكل ما يزعمونه في هذا الشأن فهو ضرب من الكذب والجهل . . وما دام الأمر كما ذكرنا لك * ( فَاصْبِرْ ) * أيها الرسول الكريم - لحكم ربك ، ولقضائه فيك وفيهم ، وسر في طريقك التي كلفناك به ، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس . . وستكون العاقبة لك ولأتباعك .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 36 .