سيد محمد طنطاوي

53

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إن للذين اتقوا ربهم ، وصانوا أنفسهم عما حرمه . . جنات ليس لهم فيها إلا النعيم الخالص ، والسرور التام . والخير الذي لا ينقطع ولا يمتنع . واللام في قوله : * ( لِلْمُتَّقِينَ ) * للاستحقاق ، وقال - سبحانه - * ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * للتشريف والتكريم . أي : هذه الجنات اختص الرب - عز وجل - بها الذين اتقوه في كل أحوالهم . وإضافة الجنات إلى النعيم ، للإشارة إلى أن النعيم ملازم لها لا يفارقها فلا يكون فيها ما يكون في جنات الدنيا من تغير في الأحوال ، فهي تارة مثمرة ، وتارة ليست كذلك . والاستفهام في قوله : * ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) * للنفي والإنكار . والفاء للعطف على مقدر يقتضيه الكلام . أي : أنحيف في أحكامنا فنجعل الذين أخلصوا لنا العبادة . كالذين أشركوا معنا آلهة أخرى ؟ أو نجعل الذين أسلموا وجوههم لنا ، كالذين فسقوا عن أمرنا ؟ كلا ، لن نجعل هؤلاء كهؤلاء ، فإن عدالتنا تقتضي التفريق بينهم . قال الجمل : لما نزلت هذه الآية وهي قوله : * ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ . . . ) * قال كفار مكة للمسلمين إن اللَّه فضلنا عليكم في الدنيا ، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإذا لم يحصل التفضيل ، فلا أقل من المساواة فأجابهم اللَّه - تعالى - بقوله : * ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) * « 1 » . ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم توبيخا آخر فقال : * ( ما لَكُمْ ، كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * . وقوله * ( ما لَكُمْ ) * جملة من مبتدأ وخبر ، وهي بمثابة تأنيب آخر لهم وقوله : * ( كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) * تجهيل لهم ، وتسفيه لعقولهم . أي : ما الذي حدث لعقولكم ، حتى ساويتم بين الأخيار والأشرار والأطهار والفجار ، ومن أخلصوا للَّه عبادتهم ، ومن كفروا به ؟ ثم انتقل - سبحانه - من توبيخهم على جهلهم ، إلى توبيخهم على كذبهم فقال : * ( أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيه تَدْرُسُونَ . إِنَّ لَكُمْ فِيه لَما تَخَيَّرُونَ ) * . و * ( أَمْ ) * هنا وما بعدها للإضراب الانتقالى ، وهي بمعنى بل ، والضمير في قوله * ( فِيه ) * يعود على الكتاب . وقوله : * ( تَدْرُسُونَ ) * أي : تقرأون بعناية وتفكير .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 388 .