سيد محمد طنطاوي

515

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واللام في قوله - تعالى - : * ( لإِيلافِ . . . ) * للتعليل . والجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - : لْيَعْبُدُوا . . . وتقدير الكلام : من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة للَّه - تعالى - لأنه - سبحانه - هو الذي جمعهم بعد تفرق ، وألف بينهم ، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع والأمن . وزيدت الفاء في قوله - تعالى - : لْيَعْبُدُوا . . . لما في الكلام من معنى الشرط ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن لم تعبدونى من أجل نعمى التي لا تحصى ، فاعبدوني من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين النافعتين في أمان واطمئنان ، وأنى جمعت شملكم ، وألفت بينكم . . . قال صاحب الكشاف : « لإيلاف قريش » متعلق بقوله : لْيَعْبُدُوا أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين . فإن قلت : فلم دخلت الفاء ؟ قلت : لما في الكلام من معنى الشرط ، لأن المعنى : إما لا فليعبدوه لإيلافهم . على معنى أن نعم اللَّه عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة . وقيل المعنى : اعجبوا لإيلاف قريش . وقيل هو متعلق بما قبله - في السورة السابقة - أي : فجعلهم كعصف مأكول . لإيلاف قريش ، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ) * بيان لمظهر من مظاهر هذا الإيلاف الذي منحه - سبحانه - لهم ، والرحلة هنا : اسم لارتحال القوم من مكان إلى آخر ، ولفظ « رحلة » منصوب على أنه مفعول به لقوله * ( إِيلافِهِمْ ) * . . . والمراد بهذه الرحلة : ارتحالهم في الشتاء إلى بلاد اليمن ، وفي الصيف إلى بلاد الشام ، من أجل التجارة ، واجتلاب الربح . واستدرار الرزق ، والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة . وقيل : المراد برحلة الشتاء والصيف : رحلة الناس إليهم في الشتاء والصيف للحج والعمرة ، فقد كان الناس يأتون إلى مكة في الشتاء والصيف لهذه الأغراض ، فيجد أهل مكة من وراء ذلك الخير والنفع ، كما قال - تعالى - : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ . وبعد أن ذكرهم - سبحانه - بنعمه أمرهم بشكره ، فقال : لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ . . .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 800 .