سيد محمد طنطاوي

505

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : عذاب شديد ، وخزي عظيم ، لكل من يطعن في أعراض الناس ، ويغض من شأنهم ، ويحقر أعمالهم وصفاتهم ، وينسب إليهم ما هم برآء منه من عيوب . والتعبير بقوله : * ( هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) * يدل على أن تلك الصفات القبيحة ، كانت عادة متأصلة فيهم ، لأن اللفظ الذي بزنة فعلة - بضم الفاء وفتح العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ديدنه ودأبه الإتيان بهذا الوصف ، ومنه قولهم : فلان ضحكة : إذا كان يكثر من الضحك . كما أن لفظ « فعلة » - بضم الفاء وسكون العين - يؤتى به للدلالة على أن الموصوف به ، يكثر أن يفعل به ذلك ، ومنه قولهم : فلان ضحكة ، إذا كان الناس يكثرون الضحك منه . وقوله - سبحانه - : * ( الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَه ) * زيادة تشنيع وتقبيح للهمزة اللمزة . . . ومعنى « عدده » : جعله عدته وذخيرته ، وأكثر من عده وإحصائه لحرصه عليه ، والجملة الكريمة في محل نصب على الذم . أي : عذاب وهلاك لكل إنسان مكثر من الطعن في أعراض الناس ، ومن صفاته الذميمة أنه فعل ذلك بسبب أنه جمع مالا كثيرا ، وأنفق الأوقات الطويلة في عده مرة بعد أخرى ، حبا له وشغفا به وتوهما منه أن هذا المال الكثير هو مناط التفاضل بين الناس . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي * ( جَمَعَ ) * - بتشديد الميم - وهو مبالغة في * ( جَمَعَ ) * بتخفيف الميم . وقوله - تعالى - : * ( يَحْسَبُ أَنَّ مالَه أَخْلَدَه ) * ، صفة أخرى من صفاته القبيحة ، والجملة يصح أن تكون مستأنفة استئنافا بيانيا ، جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما باله يجمع المال ويهتم به ؟ فكان الجواب : يحسب أن ماله أخلده . ويصح أن تكون حالا من فاعل « جمع » أي : هذا الجاهل المغرور جمع المال وعدده ، حالة كونه يظن أن ماله يخلده في الدنيا ، ويجعله في مأمن من حوادث الدهر . قال الأستاذ الإمام محمد عبده : أي أن الذي يحمل هذا الهمزة اللمزة على الحط من أقدار الناس ، هو جمعه المال وتعديده . . . فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه ، انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة ، بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه . . . ويظن أن ما عنده من المال ، قد حفظ له حياته التي هو فيها ، وأرصدها عليه ، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى ، يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال . . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 117 .