سيد محمد طنطاوي

485

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لجمع المال ، ولكسبه من مختلف الوجوه بدون تفرقة - في كثير من الأحيان - بين الحلال والحرام ، ولكنزه والتكثر منه ، وبالبخل به على من يستحقه . وصدق اللَّه إذ يقول : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ، إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفاقِ ، وكانَ الإِنْسانُ قَتُوراً « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ . وحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ . إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) * تهديد لهذا الإنسان الكنود . . . وتحريض له على التفكر والاعتبار ، وتذكير له بأهوال يوم القيامة . أي : أيفعل ما يفعل هذا الإنسان الجحود لنعم ربه . . فلا يعلم مآله وعاقبته * ( إِذا بُعْثِرَ ) * . أي : إذا أثير وأخرج وقلب رأسا على عقب * ( ما فِي الْقُبُورِ ) * من أموات حيث أعاد - سبحانه - إليهم الحياة ، وبعثهم للحساب والجزاء ، كما قال - تعالى - : وإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أي : أثيرت وأخرج ما فيها . يقال : بعثر فلان متاعه ، إذا جعل أسفله أعلاه . * ( وحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ) * أي : وجمع ما في القلوب من خير وشر وأظهر ما كانت تخفيه ، وأبرز ما كان مستورا فيها ، بحيث لا يبقى لها سبيل إلى الإخفاء أو الكتمان . وأصل التحصيل : إخراج اللب من القشر ، والمراد به هنا : إظهار وإبراز ما كانت تخفيه الصدور ، والمجازاة على ذلك . ومفعول * ( يَعْلَمُ ) * محذوف ، لتذهب النفس فيه كل مذهب ويجول الفكر في استحضاره وتقديره . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) * جملة مستأنفة لزيادة التهديد والوعيد . أي : إن رب المبعوثين للحساب والجزاء ، لعليم علما تاما بأحوالهم الظاهرة والباطنة ، في ذلك اليوم الهائل الشديد الذي يبعث فيه الناس من قبورهم ، وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤوا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعلنا من أهل طاعته ومثوبته . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 100 .