سيد محمد طنطاوي
483
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يؤذيه . و * ( صُبْحاً ) * منصوب على الظرفية . وقوله : * ( فَأَثَرْنَ بِه نَقْعاً ) * أي : هيجن وأثرن « النقع » أي : الغبار من شدة الجري . تقول : أثرت الغبار أثيره ، إذا هيجته وحركته . والنون في « أثرن » ضمير العاديات . وقوله : * ( فَوَسَطْنَ بِه جَمْعاً ) * أي : فتوسطن في ذلك الوقت جموع الأعداء ، ففرقنها ، ومزقنها ، تقول : وسطت القوم أسطهم وسطا ، إذا صرت في وسطهم . والمراد بالعاديات ، والموريات ، والمغيرات : خيل المجاهدين في سبيل اللَّه ، والكلام على حذف الموصوف . والمعنى : وحق الخيل التي يعتلى صهواتها المجاهدون من أجل إعلاء كلمة اللَّه - تعالى - . والتي تجرى بهم في ساحات القتال ، فيسمع صوت أنفاسها ، والتي تظهر شرر النار من أثر صك حوافرها بالحجارة وما يشبهها والتي تغير على العدو في وقت الصباح ، فتثير الغبار ، وتمزق جموع الأعداء . وحق هذه الخيل الموصوفة بتلك الصفات . . . * ( إِنَّ الإِنْسانَ لِرَبِّه لَكَنُودٌ ) * . وقد أقسم - سبحانه - بالخيل المستعملة للجهاد في سبيله ، للتنبيه على فضلها ، وفضل ربطها ، ولما فيها من المنافع الدينية والدنيوية ، ولما يترتب على استعمالها في تلك الأغراض من أجر وغنيمة ، ومن ترويع لجموع المشركين ، وتمزيق لصفوفهم . وأسند - سبحانه - الإغارة إليها - مع أنها في الحقيقة لراكبيها - ، لأن الخيول هي عدة الإغارة ، وهي على رأس الوسائل لبلوغ النصر على الأعداء . وقيل : المراد بالعاديات : الإبل ، إلا أن الأوصاف المذكورة في الآيات الكريمة من الضبح والإغارة . . . تؤيد أن المراد بها الخيل . قال صاحب الكشاف : أقسم - سبحانه - بخيل الغزاة تعدو فتضبح . والضبح : صوت أنفاسها إذا عدون . فإن قلت : علام عطف « فأثرن » ؟ قلت : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، وهو قوله * ( فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً ) * وذلك لصحة عطف الفعل على الاسم الذي يشبه الفعل كاسم الفاعل - لأن المعنى : واللائي عدون ، فأورين ، فأغرن . فأثرن الغبار . « 1 » . والتعبير بالفاء في قوله - تعالى - : * ( فَأَثَرْنَ ) * * ( فَوَسَطْنَ ) * . وبالفعل الماضي ، للإشارة إلى أن إثارة الغبار ، وتمزيق صفوف الأعداء ، قد تحقق بسرعة ، وأن الظفر بالمطلوب قد تم على أحسن الوجوه .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 787 .