سيد محمد طنطاوي
479
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من يريهم إياها . ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ، ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) * . و « المثقال » مفعال من الثقل ، ويطلق على الشيء القليل الذي يحتمل الوزن ، و « الذرة » تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذي يتطاير من التراب عند النفخ فيه . والمقصود المبالغة في الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، وحقر وزنها . والفاء : للتفريع على ما تقدم . أي : في هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد . متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعمالهم الدنيوية . . . فمن كان منهم قد عمل في دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل في نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا في دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا العمل - أيضا - في أدنى درجات القلة . فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ولذا قال كعب الأحبار : لقد أنزل اللَّه - تعالى - على نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم آيتين ، أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما أخرجه الإمام أحمد . أن صعصعة بن معاوية ، أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقرأ عليه هاتين الآيتين ، فقال : حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها . وفي صحيح البخاري أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة » . وفي الصحيح - أيضا - أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط » . وكان صلى اللَّه عليه وسلم يقول لعائشة : « يا عائشة ، استتري من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان . يا عائشة . إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من اللَّه - تعالى - طالبا » « 1 » . ومن الآيات الكريمة التي وردت في معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ، وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ، ويُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْراً عَظِيماً .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 482 .