سيد محمد طنطاوي

447

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

من العمر ، كما قال - تعالى - : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ . ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ، ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ، ومِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ، ولِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ، ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ « 1 » . وقد رجح ابن جرير هذا الرأي فقال : « وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة ، وأشبهها بتأويل الآية ، قول من قال معناه : ثم رددناه إلى أرذل العمر . إلى عمر الخرفى الذين ذهبت عقولهم من الهرم والكبر ، فهو في أسفل من سفل في إدبار العمر ، وذهاب العقل . . . » « 2 » . ومنها : أن المراد بالرد هنا : الرد إلى النار ، والمعنى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه إلى أقبح صورة ، وأخس هيئة . . . حيث ألقينا به في أسفل سافلين ، أي : في النار ، بسبب استحبابه العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان . . . وقد رجح هذا الرأي ابن كثير فقال : قوله : * ( ثُمَّ رَدَدْناه أَسْفَلَ سافِلِينَ ) * أي : إلى النار . . . أي : ثم بعد هذا الحسن والنضارة ، مصيره إلى النار ، إن لم يطع اللَّه - تعالى - ويتبع الرسل . ولهذا قال : * ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . ) * « 3 » . وعلى هذا الرأي - أيضا - ، يكون المردودون إلى « أسفل سافلين » أي : إلى النار ، هم بعض أفراد جنس الإنسان ، وهم الكفار ، والفاسقون عن أمره - تعالى - . ومنها : أن المراد بالرد إلى أسفل سافلين هنا : الانحراف والارتداد عن الفطرة التي فطر اللَّه - تعالى - الناس عليها ، بأن يعبد الإنسان مخلوقا مثله ، ويترك عبادة خالقه ، ويطيع نفسه وشهواته وهواه . . . ويترك طاعة ربه - عز وجل - . وقد فصل الأستاذ الإمام هذا المعنى فقال ما ملخصه : « أقسم - سبحانه - أنه قوم الإنسان أحسن تقويم ، وركبه أحسن تركيب ، وأكد - سبحانه - ذلك بالقسم ، لأن الناس بسبب غفلتهم عما كرمهم اللَّه به ، صاروا كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات ، يفعلون كما تفعل ، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة . فانحطت بذلك نفوسهم عن مقامها ، الذي كان لها بمقتضى الفطرة . . . فهذا قوله : * ( ثُمَّ رَدَدْناه أَسْفَلَ سافِلِينَ ) * ، أي : صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التي كانت أسفل منه ، لأن الحيوان المفترس - مثلا - إنما يصدر في عمله عن فطرته التي فطر عليها ، لم ينزل عن مقامه ، ولم ينحط عن منزلته في الوجود . أما الإنسان فإنه بإهماله عقله ، وجهله بما ينبغي أن يعمله لتوفير سعادته وسعادة إخوانه ،

--> ( 1 ) سورة غافر ، آية 67 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 30 ص 157 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 457 .