سيد محمد طنطاوي

445

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الحديث الصحيح ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال بعد فتحها : « إن اللَّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد - أي : يقطع - شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . . . » . إلا أن خلافهم في المراد بقوله - تعالى - : * ( والتِّينِ والزَّيْتُونِ ) * ، وقد ذكر الإمام القرطبي هذا الخلاف فقال ما ملخصه : قوله : * ( والتِّينِ والزَّيْتُونِ ) * : قال ابن عباس وغيره : هو تينكم الذي تأكلون ، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت . قال - تعالى - : وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلآكِلِينَ وهي شجرة الزيتون . وقال أبو ذر : أهدى للنبي صلى اللَّه عليه وسلم سلة تين ، فقال : « كلوا » وأكل منها . ثم قال : « لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة ، لقلت هذه . . . » . وعن معاذ : أنه استاك بقضيب زيتون ، وقال : سمعت النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة » . . . وهذا هو الرأي الذي تطمئن إليه النفس لأنه هو المتبادر من اللفظ وهناك أقوال أخرى رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها وتهافتها . ثم قال الإمام القرطبي : وهذا القول هو أصح الأقوال ، لأنه الحقيقة ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل . وإنما أقسم بالتين لأنه كان ستر آدم في الجنة ، لقوله - تعالى - : يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وكان ورق التين ، ولأنه كثير المنافع . وأقسم بالزيتون لأنه الشجرة المباركة ، قال - تعالى - : يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ . . . وفيه منافع كثيرة . . . « 1 » . وقال الإمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال في المقصود بالتين والزيتون : والصواب من القول في ذلك عندنا ، قول من قال : التين : هو التين الذي يؤكل . والزيتون : هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت ، لأن ذلك هو المعروف عند العرب ، ولا يعرف جبل يسمى تينا ، ولا جبل يقال له زيتون . إلا أن يقول قائل : المراد من الكلام القسم بمنابت التين ، ومنابت الزيتون ، فيكون ذلك مذهبا ، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك ، دلالة في ظاهر التنزيل . . . « 2 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 20 ص 111 . ( 2 ) راجع تفسير ابن جرير ج 30 ص 153 .