سيد محمد طنطاوي

441

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

التي تشغل الإنسان ، والنصب : التعب والاجتهاد في تحصيل المطلوب . أي : فإذا فرغت - أيها الرسول الكريم - من عمل من الأعمال ، فاجتهد في مزاولة عمل آخر من الأعمال التي تقربك من اللَّه - تعالى - ، كالصلاة ، والتهجد ، وقراءة القرآن الكريم . واجعل رغبتك في جميع أعمالك وعباداتك ، من أجل إرضاء ربك ، لا من أجل شيء آخر ، فهو وحده القادر على إبلاغك ما تريد ، وتحقيق آمالك . فالمقصود بهاتين الآيتين حثه صلى اللَّه عليه وسلم وحث أتباعه في شخصه على استدامة العمل الصالح ، وعدم الانقطاع عنه ، مع إخلاص النية للَّه - تعالى - فإن المواظبة على الأعمال الصالحة مع الإخلاص فيها ، تؤدى إلى السعادة التي ليس بعدها سعادة . ولقد استجاب صلى اللَّه عليه وسلم لهذا الإرشاد الحكيم ، فقد قام الليل حتى تورمت قدماه ، وعند ما سئل لم كل هذه العبادة ، وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك ؟ قال : « أفلا أكون عبدا شكورا » . وسار أصحابه من بعده على هذا الهدى القويم : فعمروا حياتهم بالباقيات الصالحات من الأعمال ، دون أن يكون للفراغ السيئ ، مكان في حياتهم ، بل واصلوا الجهاد بالجهاد ، وأعمال البر بمثلها . ومن أقوال عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - : « إني لأكره لأحدكم أن يكون خاليا ، لا في عمل دنيا ولا دين » . وفي رواية أنه قال : « إني لأنظر إلى الرجل فيعجبني ، فإذا قيل : إنه لا عمل له سقط من عيني » . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يعمرون أوقاتهم بالأعمال الصالحة ، والخالصة لوجهه الكريم . وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .