سيد محمد طنطاوي
439
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) * بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . أي : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك ، وأزلنا عن قلبك الحيرة التي كانت تعتريك قبل تبليغ الرسالة وبعد تبليغها ، بأن يسرنا لك كل صعب . وفوق ذلك فقد رفعنا لك ذكرك ، بأن جعلناك رفيع الشأن ، سامى المنزلة ، عظيم القدر ، ومن مظاهر ذلك : أننا جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في النطق بالشهادتين . وفي الأذان ، وفي الإقامة ، وفي التشهد ، وفي غير ذلك من العبادات ، وأننا فضلناك على جميع رسلنا ، بل على جميع الخلق على الإطلاق ، وأننا أعطيناك الشفاعة العظمى ، وجعلنا طاعتك من طاعتنا . قال الآلوسي : أخرج أبو يعلى ، وابن جرير . . . عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « أتاني جبريل فقال لي : إن ربك يقول : أتدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت : اللَّه - تعالى - أعلم . قال : « إذا ذكرت ذكرت معي » . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه النعم الجليلة ، ما يدخل السرور على قلبه صلى اللَّه عليه وسلم وما يبعث الأمل في نفسه وفي نفوس أصحابه ، بأن بين لهم سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) * . والفاء للإفصاح ، ومع بمعنى بعد ، وأل في العسر لاستغراق أنواع العسر المعروفة للمخاطبين . من فقر ، وضعف ، وقلة في الوسائل التي تؤدى إلى إدراك المطلوب . والجملة الثانية مؤكدة ومقررة للجملة الأولى . والتنكير في قوله * ( يُسْراً ) * للتفخيم . والمعنى : إذا تقرر عندك ما أخبرناك به ، من شرح الصدر ، ووضع الوزر . ورفع الذكر . . . فاعلم أنه ما من عسر إلا ويعقبه يسر ، وما من شدة إلا ويأتي بعدها الفرج ، وما من غم أو هم ، إلا وينكشف ، وتحل محله المسرة . . . وما دام الأمر كذلك ، فتذرع أنت وأصحابك بالصبر ، واعتصموا بالتوكل على اللَّه ، فإن العاقبة لكم . ففي هاتين الآيتين ما فيهما من تسلية للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ولأتباعه ، ومن وعد صادق بأن كل صعب يلين ، وكل شديد يهون ، وكل عسير يتيسر . متى صبر الإنسان الصبر الجميل ، وتسلح بالعزيمة القوية ، وبالإيمان العميق بقضاء اللَّه - تعالى - وقدره . وأكد - سبحانه - هاتين الآيتين ، لأن هذه القضية قد تكون موضع شك ، خصوصا بالنسبة لمن تكاثرت عليهم الهموم وألوان المتاعب ، فأراد - سبحانه - أن يؤكد للناس في كل زمان ومكان ، أن اليسر يعقب العسر لا محالة ، والفرج يأتي بعد الضيق ، فعلى المؤمن أن يقابل المصائب بصبر جميل ، وبأمل كبير في تيسير اللَّه وفرجه ونصره .