سيد محمد طنطاوي
437
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك شرحا عظيما ، بأن أمرنا ملائكتنا بشقه وإخراج ما فيه مما يتنافى مع ما هيأناك له من حمل رسالتنا إلى الناس ، وبأن أودعنا فيه من الهدى والمعرفة والإيمان والفضائل والحكم . . . ما لم نعطه لأحد سواك . ونون العظمة في قوله - سبحانه - * ( نَشْرَحْ ) * تدل على عظمة النعمة ، من جهة أن المنعم العظيم ، إنما يمنح العظيم من النعم ، وفي ذلك إشارة إلى أن نعمة الشرح ، مما لا تصل العقول إلى كنه جلالتها . واللام في قوله - تعالى - : * ( لَكَ ) * للتعليل ، وهو يفيد أن ما فعله اللَّه - تعالى - به ، إنما هو من باب تكريمه ، ومن أجل تشريفه وتهيئته لحمل رسالته العظمى إلى خلقه ، فمنفعة هذا الشرح إنما تعود إليه وحده صلى اللَّه عليه وسلم لا إلى غيره . قال الإمام الرازي : فإن قيل : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر ، كما قال - تعالى - : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، فإزالة تلك الوسوسة ، وإبدالها بدواعى الخير ، هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب . قال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ، وبث فيه الهموم ، فيضيق القلب ، ولا يجد للطاعة لذة ، وإذا طرد العدو في الابتداء ، حصل الأمن ، وانشرح الصدر . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ . الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) * بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم بها - سبحانه - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . والمراد بالوضع هنا : الإزالة والحط ، لأن هذا اللفظ إذا عدى بعن كان للحط والتخفيف ، وإذا عدى بعلى كان للحمل والتثقيل . تقول : وضعت عن فلان قيده : إذا أزلته عنه ، ووضعته عليه : إذا حملته إياه . والوزر : الحمل الثقيل ، و * ( أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) * أي : أثقله وأوهنه وأتعبه ، حتى سمع له نقيض ، وهو الصوت الخفي الذي يسمع من الرّحل الكائن فوق ظهر البعير ، إذا كان هذا الرحل ثقيلا ، ولا يكاد البعير يحمله إلا بمشقة وعسر . والمعنى : لقد شرحنا لك - أيها الرسول الكريم - صدرك ، وأزلنا عنك ما أثقل ظهرك
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 428 .