سيد محمد طنطاوي
431
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
صلى اللَّه عليه وسلم قد نشأ في بيئة منحرفة في عقائدها وأخلاقها ، لم تطمئن نفسه الكريمة إليها ، إلا أنه كان حائرا في الوصول إلى الدين الحق ، فهداه اللَّه - تعالى - إليه ، والهداية إلى الحق بعد الحيرة والضلال عنه ، منة عظمى ، ونعمة كبرى . وهناك أقوال أخرى ضعيفة كقولهم : * ( ضَالًّا ) * أي : عن القبلة فهداك اللَّه إليها ، أو * ( ضَالًّا ) * في شعاب مكة ، فهداك اللَّه وردك إلى عمك أو * ( ضَالًّا ) * في سفرك مع عمك إلى الشام ، فردك اللَّه - تعالى - إليه . وقوله - سبحانه - : * ( ووَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ) * بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . وأصل العائل : الإنسان الذي له عائلة لا يستطيع الإنفاق عليها ، ثم أطلق هذا اللفظ على الإنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة ، والفقر يسمى عيلة ، كما في قوله - تعالى - : وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً - أي : فقرا - فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّه مِنْ فَضْلِه إِنْ شاءَ . . . أي : وقد كنت - أيها الرسول الكريم - فقيرا ، حيث مات أبوك دون أن يترك لك مالا كثيرا ، ونشأت في كنف جدك ثم عمك ، وأنت على هذه الحال . ثم أغناك اللَّه - تعالى - بفضله وكرمه بنوعين من الغنى : أما أولهما - وهو الأعظم - : فهو غنى النفس ، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما أعطاك - سبحانه - من رزق ، حتى ولو كان كفافا . وأما ثانيهما : فهو الغنى المادي عن الاحتياج إلى الناس ، بما أجراه على يديك من الربح في التجارة ، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها ، فعشت مستور الحال ، غير محتاج إلى من ينفق عليك . وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا أن من فضل اللَّه - تعالى - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أنه آواه في يتمه وصغره ، وهداه من ضلاله وحيرته ، وأغناه بعد فقره وحاجته . وبعد أن عدد - سبحانه - هذه النعم لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم أمره بشكرها ، وأداء حقوقها . فقال - تعالى - : * ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ . . . ) * والقهر : التغلب على الغير والإذلال له . أي : إذا كان الأمر كما أخبرتك من أنك كنت يتيما فآويناك ، وكنت ضالا فهديناك ، وكنت فقيرا فأغنيناك ، فتذكر هذه النعم ، واشكر ربك عليها ، ومن مظاهر هذا الشكر : أن تواسى اليتيم ، وأن تكرمه . وأن تكون رفيقا به . . ولا تكن كأهل الجاهلية الذين كانوا يقهرون الأيتام ويذلونهم ويظلمونهم . .