سيد محمد طنطاوي
427
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وذكر بعضهم : أن جبريل - عليه السلام - أبطأ في نزوله على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال المشركون : قد قلاه ربه وودعه . فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآيات . . « 1 » . والضحى : هو وقت ارتفاع الشمس بعد إشراقها ، وهو وقت النشاط والحركة ، والإقبال على السعي والعمل . . ولذا خص بالقسم به . وقيل : المراد بالضحى هنا : النهار كله ، بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله . والأول أولى : لأن الضحى يطلق على وقت انتشار ضياء الشمس حين ترتفع ، وتلقى بأشعتها على الكون ، ويبرز الناس لأعمالهم المتنوعة . ومعنى « سجا » : سكن . يقال : سجا الليل يسجو سجوا ، إذا سكن وهدأ وأسدل ظلامه على الكون . ويقال : تسجّى فلان بملابسه ، إذا غطى بها جميع جسده ، ومنه قولهم : سجّى الميت تسجية ، إذا غطى بكفنه . . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( سَجى ) * أي : سكن وركد ظلامه . وقيل : ليلة ساجية . أي : ساكنة الريح : وقيل معناه : سكون الناس والأصوات فيه . وسجا البحر : سكنت أمواجه . وطرف ساج ، أي : ساكن فاتر . . « 2 » . أي : وحق الضحى وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس ، ويتم إشراقها ، ويأخذ الناس في النشاط والحركة . . وحق الليل إذا سكن وهجع فيه الناس بعد عناء العمل . وجواب القسم قوله - تعالى - : * ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ) * أي : ما تركك ربك - أيها الرسول الكريم - منذ أن اختارك لحمل رسالته ، وما أبغضك ولا كرهك ، بل أنت محل رضانا ومحبتنا ورعايتنا . . فقوله : * ( وَدَّعَكَ ) * من التوديع ، وهو في الأصل الدعاء للمسافر ، ببلوغ الدعة ، وخفض العيش ، ثم استعير للمفارقة بعد الاتصال ، تشبيها بفراق المسافر في انقطاع الصلة ، حيث شبه - سبحانه - انقطاع صلة الكلام بانقطاع صلة الإقامة . والمقصود : نفى أن يكون اللَّه - تعالى - قد قطع وحيه عن نبيه صلى اللَّه عليه وسلم . وقوله : * ( قَلى ) * من القلا - بكسر القاف - وهو شدة البغض ، يقال : قلا فلان فلانا يقليه ، إذا كرهه وأبغضه بشدة . ومنه قوله - تعالى - : إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 30 ص 156 ، وتفسير ابن كثير ج 7 ص 445 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 765 .