سيد محمد طنطاوي

423

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( مالَه يَتَزَكَّى ) * أي : هذا الإنسان الشديد التقوى من صفاته أنه يقدم ماله لغيره ، وينفقه في وجوه البر والطاعة ، رجاء أن يكون عند ربه زاكيا ناميا ، خاليا من شبهة الرياء والتفاخر ، وأملا في أن يتطهر به من الذنوب . فقوله * ( يَتَزَكَّى ) * في محل نصب على الحال من فاعل * ( يُؤْتِي ) * أي : يؤتى ماله حال كونه لا يطلب من وراء ذلك إلا تزكية ماله ، وتطهير نفسه . وقوله - سبحانه - : * ( وما لأَحَدٍ عِنْدَه مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى . إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْه رَبِّه الأَعْلى ) * بيان لبلوغه أسمى درجات الإخلاص والنقاء . أي : أن هذا الإنسان الكامل في تقاه لا يفعل ما يفعل من وجوه الخيرات ، من أجل المجازاة لغيره على نعمة سلفت من هذا الغير له ، وإنما يفعل ما يفعل من أجل شيء واحد ، وهو طلب رضا اللَّه - تعالى - والظفر بثوابه ، والإخلاص لعبادته - سبحانه - . قال الآلوسي : وقوله : * ( إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْه رَبِّه الأَعْلى ) * منصوب على الاستثناء المنقطع من قوله : * ( مِنْ نِعْمَةٍ ) * لأن الابتغاء لا يندرج فيها ، فالمعنى : لكنه فعل ذلك لابتغاء وجه ربه - سبحانه - وطلب رضاه ، لا لمكافأة لأحد على نعمة . وجوز أن يكون نصبه على أنه مفعول لأجله ، أي : لا يؤتى ماله لأجل شيء من الأشياء إلا لأجل طلب رضا ربه ، لا لأجل شيء آخر ، فهو استثناء مفرغ من أعم العلل والأسباب . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولَسَوْفَ يَرْضى ) * المقصود به الوعد الصادق لهذا التقى ، بما يزيد في سروره ، وفي قرة عينه . أي : ولسوف نعطى هذا التقى الذي أعطى واتقى وصدق بالحسنى ، من أجل الظفر برضا ربه - تعالى - لا من أجل شيء آخر . . لسوف نعطيه عطاء يرضيه ويسعده ويشرح صدره . هذا ، وأكثر المفسرين على أن هذه الآيات الكريمة نزلت في شأن سيدنا أبى بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - . قال الإمام ابن جرير ما ملخصه : وذكر أن هذه الآيات نزلت في أبى بكر الصديق . . فقد كان يعتق العجائز من النساء إذا أسلمن ، ويشترى الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بنى ، أراك تعتق أناسا ضعفاء ، فلو أنك تعتق رجالا جلداء - أي : أشداء - يقومون معك ، ويمنعونك ، ويدفعون عنك .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 152 .